تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 37

مساهمون:

ص٣٧
الذي قبله بتقدير : وابتغاؤكم من فضله فيهما ، وقد تكلف صاحب « الكشاف » فجعل الكلام من قبيل اللف والنشر ؛ على أن اللف وقع فيه تفريق ، ووجّهه محشّيه القزويني بأن التقديم للاهتمام بآية الليل والنهار . وقد جعلت دلالات المنام والابتغاء من فضل اللّه
لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ
لوجهين : أحدهما : أن هذين حالتان متعاورتان على الناس قد اعتادوهما فقلّ من يتدبر في دلالتهما على دقيق صنع اللّه تعالى ؛ فمعظم الناس في حاجة إلى من يوقفهم على هذه الدلالة ويرشدهم إليها . وثانيهما : أن في ما يسمعه الناس من أحوال النوم ما هو أشد دلالة على عظيم صنع اللّه تعالى مما يشعر به صاحب النوم من أحوال نومه ، لأن النائم لا يعرف من نومه إلا الاستعداد له وإلا أنه حين يهبّ من نومه يعلم أنه كان نائما ؛ فأما حالة النائم في حين نومه ومقدار تنبهه لمن يوقظه ، وشعوره بالأصوات التي تقع بقربه ، والأضواء التي تنتشر على بصره فتنبهه أو لا تنبهه ، كل ذلك لا يتلقاه النائم إلا بطريق الخبر من الذين يكونون أيقاظا في وقت نومه . فطريق العلم بتفاصيل أحوال النائمين واختلافها السمع ، وقد يشاهد المرء حال نوم غيره إلا أن عبرته بنومه الخاص به أشد ، فطريق السمع هو أعم الطرق لمعرفة تفاصيل أحوال النوم ، فلذلك قيل
لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ
. وأيضا لأن النوم يحول دون الشعور بالمسموعات بادئ ذي بدء قبل أن يحول دون الشعور بالمبصرات . وأجريت صفة
يَسْمَعُونَ
على قوم للإيماء إلى أن السمع متمكّن منهم حتى كأنه من مقومات قوميتهم كما تقدم في قوله تعالى
لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
في سورة البقرة [ 164 ] . ووجه جعل ذلك آيات لما ينطوي عليه من تعدد الدلالات بتعدد المستدلين وتولد دقائق تلك الآية بعضها عن بعض كما تقدم آنفا . ومعنى اللام في قوله
لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ
كما تقدم في معناه عند قوله
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ
[ الروم : 21 ] . [ 24 ]

[ سورة الروم ( 30 ) : آية 24 ]

وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ( 24 ) تلك آية خامسة وهي متعلقة بالإنسان وليست متصلة به ، فإن البرق آية من آيات صنع اللّه وهو من خلق القوى الكهربائية النورانية في الأسحبة وجعلها آثارا مشاهدة ، وكم من قوى أمثالها منبثة في العوالم العلوية لا تشاهد آثارها . ومن الحكم الإلهية في كون البرق