تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 291

مساهمون:

ص٢٩١
« الصنف الأول » : ما ملكت يمينه مما أفاء اللّه عليه ، أي مما أعطاه اللّه من الفيء ، وهو ما ناله المسلمون من العدوّ بغير قتال ولكن تركه العدو ، أو مما أعطي للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم مثل مارية القبطية أمّ ابنه إبراهيم فقد أفاءها اللّه عليه إذ وهبها إليه المقوقس صاحب مصر ، وإنما وهبها إليه هدية لمكان نبوءته فكانت بمنزلة الفيء لأنها ما لوحظ فيها إلا قصد المسالمة من جهة الجوار ، إذ لم تكن له مع الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم سابق صحبة ولا معرفة ، والمعروف أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لم يتسرّ غير مارية القبطية . وقيل : إنه تسرى جارية أخرى وهبتها له زوجه زينب ابنة جحش ولم يثبت . وقيل أيضا : إنه تسرى ريحانة من سبي قريظة اصطفاها لنفسه ولا تشملها هذه الآية لأنها ليست من الفيء ولكن من المغنم إلا أن يراد ب
مِمَّا أَفاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ
المعنى الأعم للفيء وهو ما يشمل الغنيمة . وهذا الحكم يشركه فيه كثير من الأمة من كل من أعطاه أميره شيئا من الفيء ، كما قال تعالى :
ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ
[ الحشر : 7 ] فمن أعطاه الأمير من هؤلاء الأصناف أمة من الفيء حلّت له . وقوله :
مِمَّا أَفاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ
وصف لما ملكت يمينك وهو هنا وصف كاشف لأن المراد به مارية القبطية ، أو هي وريحانة إن ثبت أنّه تسراها . « الصنف الثاني » : نساء من قريب قرابته صلّى اللّه عليه وسلّم من جهة أبيه أو من جهة أمه مؤمنات مهاجرات . وأغنى قوله :
هاجَرْنَ مَعَكَ
عن وصف الإيمان لأن الهجرة لا تكون إلا بعد الإيمان ، فأباح اللّه للنبي عليه الصلاة والسلام أن يتزوج من يشاء من نساء هذا الصنف بعقد النكاح المعروف ، فليس له أن يتزوج في المستقبل امرأة من غير هذا الصنف المشروط بشرط القرابة بالعمومة أو الخؤولة وشرط الهجرة . وعندي : أن الوصفين ببنات عمه وعمّاته وبنات خاله وخالاته ، وبأنهن هاجرن معه غير مقصود بهما الاحتراز عمن لسن كذلك ولكنه وصف كاشف مسوق للتنويه بشأنهن . وخص هؤلاء النسوة من عموم المنع تكريما لشأن القرابة والهجرة التي هي بمنزلة القرابة لقوله تعالى :
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا
[ الأنفال : 72 ] . وحكم الهجرة انقضى بفتح مكة . وهذا الحكم يتجاذبه الخصوصية للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم والتعميم لأمته ، فالمرأة التي تستوفي هذا الوصف يجوز للرسول عليه الصلاة والسلام ولأمته الذين تكون لهم قرابة بالمرأة كهذه القرابة تزوج أمثالها ، والمرأة التي لم تستوف هذا الوصف لا يجوز للرسول عليه الصلاة والسلام تزوجها ، وهو الذي درج عليه