تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 290

مساهمون:

ص٢٩٠
وعندي : أن الآية امتنان وتذكير بنعمة على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : وتؤخذ من الامتنان الإباحة ويؤخذ من ظاهر قوله :
لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ
[ الأحزاب : 52 ] الاقتصار على اللاتي في عصمته منهن وقت نزول الآية ، ولتكون هذه الآية تمهيدا لقوله تعالى :
لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ
إلخ . وسيجيء ما لنا في معنى قوله :
مِنْ بَعْدُ
وما لنا في موضع قوله إن أراد النبي
أَنْ يَسْتَنْكِحَها
. ومعنى
أَحْلَلْنا لَكَ
الإباحة له ، ولذلك جاءت مقابلته بقوله عقب تعداد المحلّلات له
لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ
. وإضافة أزواج إلى ضمير النبي صلّى اللّه عليه وسلّم تفيد أنّهن الأزواج اللاتي في عصمته ، فيكون الكلام إخبارا لتقرير تشريع سابق ومسوقا مساق الامتنان ، ثم هو تمهيد لما سيتلوه من التشريع الخاص بالنبيء صلّى اللّه عليه وسلّم من قوله :
اللَّاتِي هاجَرْنَ مَعَكَ
إلى قوله :
لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ
[ الأحزاب : 52 ] . وهذا هو الوجه عندي في تفسير هذه الآية . وحكى ابن الفرس عن الضحاك وابن زيد أن المعنى بقوله :
أَزْواجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ
أن اللّه أحلّ له أن يتزوج كل امرأة يصدقها مهرها فأباح له كل النساء ، وهذا بعيد عن مقتضى إضافة أزواج إلى ضميره . وعن التعبير ب
آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ
بصيغة المضيّ . واختلف أهل التأويل في محمل هذا الوجه مع قوله تعالى في آخر الآية :
لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ
فقال قوم : هذه ناسخة لقوله :
لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ
ولو تقدمت عليها في التلاوة . وقال آخرون : هي منسوخة بقوله :
لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ
. و
اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ
صفة ل
أَزْواجَكَ
، أي وهن النسوة اللاتي تزوجتهن على حكم النكاح الذي يعم الأمة ، فالماضي في قوله :
آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ
مستعمل في حقيقته . وهؤلاء فيهن من هن من قراباته وهن القرشيات منهن : عائشة ، وحفصة ، وسودة ، وأم سلمة ، وأم حبيبة ، وفيهن من لسن كذلك وهنّ : جويرية من بني المصطلق ، وميمونة بنت الحارث من بني هلال ، وزينب أم المساكين من بني هلال ، وكانت يومئذ متوفاة ، وصفية بنت حيي الإسرائيلية . وعطف على هؤلاء نسوة أخر وهنّ ثلاثة أصناف :