تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 285

مساهمون:

ص٢٨٥
« بشيرا » قد أخذ متعلّقه فقد صار هذا ناظرا إلى قوله :
وَنَذِيراً
[ الأحزاب : 45 ] . وقوله :
وَدَعْ أَذاهُمْ
يجوز أن يكون فعل
دَعْ
مرادا به أن لا يعاقبهم فيكون
دَعْ
مستعملا في حقيقته وتكون إضافة أذاهم من إضافة المصدر إلى مفعوله ، أي دع أذاك إياهم . ويجوز أن يكون
دَعْ
مستعملا مجازا في عدم الاكتراث وعدم الاغتمام ، فما يقولونه مما يؤذي ويكون إضافة أذاهم من إضافة المصدر إلى فاعله ، أي لا تكترث بما يصدر منهم من أذى إليك فإنك أجلّ من الاهتمام بذلك ، وهذا من استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه . وأكثر المفسرين اقتصروا على هذا الاحتمال الأخير . والوجه : الحمل على كلا المعنيين ، فيكون الأمر بترك أذاهم صادقا بالإعراض عما يؤذون به النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من أقوالهم ، وصادقا بالكف عن الإضرار بهم ، أي أن يترفع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عن مؤاخذتهم على ما يصدر منهم في شأنه ، وهذا إعراض عن أذى خاص لا عموم له ، فهو بمنزلة المعرف بلام العهد ، فليست آيات القتال بناسخة له . وهذا يقتضي أنه يترك أذاهم ويكلهم إلى عقاب آجل وذلك من معنى قوله :
شاهِداً
[ الأحزاب : 45 ] لأنه يشهد عليهم بذلك كقوله :
فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ * وَأَبْصِرْهُمْ
[ الصافات : 174 - 175 ] . والتوكل : الاعتماد وتفويض التدبير إلى اللّه . وقد تقدم عند قوله تعالى :
فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ
في سورة آل عمران [ 159 ] وقوله :
وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
في سورة العقود [ 23 ] ، أي اعتمد على اللّه في تبليغ الرسالة وفي كفايته إياك شر عدوك ، فهذا ناظر إلى قوله :
وَداعِياً إِلَى اللَّهِ
[ الأحزاب : 46 ] . وقوله :
وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا
تذييل لجملة
وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ
. والمعنى : فإن اللّه هو الوكيل الكافي في الوكالة ، أي المجزي من توكّل عليه ما وكله عليه فالباء تأكيد ، وتقدم قوله :
وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا
في سورة النساء [ 81 ] . والتقدير : كفى اللّه و
وَكِيلًا
تمييز . فقد جاءت هذه الجمل الطلبية مقابلة وناظرة للجمل الإخبارية من قوله :
إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً
إلى
وَسِراجاً مُنِيراً
[ الأحزاب : 45 ، 46 ] فقوله :
وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ
[ الأحزاب : 47 ] ناظرا إلى قوله :
وَمُبَشِّراً
[ الأحزاب : 45 ] . وقوله :
وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ
ناظر إلى قوله :
وَنَذِيراً
[ الأحزاب : 45 ] لأنه جاء في
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 285 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور