تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 280

مساهمون:

ص٢٨٠
اختلجوا دوني فأقول : يا رب أصيحابي أصيحابي . فيقال لي : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك فأقول تبّا وسحقا لمن أحدث بعدي » يعني : أحدثوا الكفر وهم أهل الردة كما في بعض روايات الحديث : « إنهم لم يزالوا مرتدّين على أعقابهم منذ فارقتهم » . فلا جرم كان وصف الشاهد أشمل هذه الأوصاف للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بوصف كونه رسولا لهذه الأمة ، وبوصف كونه خاتما للشرائع ومتمّما لمراد اللّه من بعثة الرسل . والمبشر : المخبر بالبشرى والبشارة . وهي الحادث المسرّ لمن يخبر به والوعد بالعطية ، والنبي صلّى اللّه عليه وسلّم مبشر لأهل الإيمان والمطيعين بمراتب فوزهم . وقد تضمن هذا الوصف ما اشتملت عليه الشريعة من الدعاء إلى الخير من الأوامر وهو قسم الامتثال من قسمي التقوى ، فإن التقوى امتثال المأمورات واجتناب المنهيات ، والمأمورات متضمنة المصالح فهي مقتضية بشارة فاعليها بحسن الحال في العاجل والآجل . وقدمت البشارة على النذارة لأن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم غلب عليه التبشير لأنه رحمة للعالمين ، ولكثرة عدد المؤمنين في أمته . والنذير : مشتق من الإنذار وهو الإخبار بحلول حادث مسيء أو قرب حلوله ، والنبي عليه الصلاة والسلام منذر للذين يخالفون عن دينه من كافرين به ومن أهل العصيان بمتفاوت مؤاخذتهم على عملهم . وانتصب
شاهِداً
على الحال من كاف الخطاب وهي حال مقدرة ، أي أرسلناك مقدّرا أن تكون شاهدا على الرسل والأمم في الدنيا والآخرة . ومثّل سيبويه للحال المقدرة بقوله : مررت برجل معه صقر صائدا به . وجيء في جانب النذارة بصيغة فعيل دون اسم الفاعل لإرادة الاسم فإن النذير في كلامهم اسم للمخبر بحلول العدو بديار القوم . ومن الأمثال : أنا النذير العريان ، أي الآتي بخبر حلول العدوّ بديار قوم . والمراد بالعريان أنه ينزع عنه قميصه ليشير به من مكان مرتفع فيراه من لا يسمع نداءه ، فالوصف بنذير تمثيل بحال نذير القوم كما قال :
إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ
[ سبأ : 46 ] للإيماء إلى تحقيق ما أنذرهم به حتى كأنه قد حلّ بهم وكأنّ المخبر عنه مخبر عن أمر قد وقع ، وهذا لا يؤديه إلا اسم النذير ، ولذلك كثر في القرآن الوصف بالنذير وقلّ الوصف بمنذر . وفي الصحيح : أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لما أنزل عليه :
وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ
[ الشعراء : 214 ] خرج حتى صعد الصفا ، فنادى : يا