تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 269

مساهمون:

ص٢٦٩
الأليق به أن يستبقي عزيمته ومجاهدته لدفع ما أمر بتجنبه . وفي هذا الاستئناف ابتداء لنقض أقوال المنافقين أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم تزوج امرأة ابنه . ومعنى :
فَرَضَ اللَّهُ لَهُ
قدّره ، إذ أذنه بفعله . وتعدية فعل
فَرَضَ
باللام تدل على هذا المعنى بخلاف تعديته بحرف ( على ) كقوله :
قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ فِي أَزْواجِهِمْ
[ الأحزاب : 50 ] . والسّنّة : السيرة من عمل أو خلق يلازمه صاحبه . ومضى القول في هل السنة اسم جامد أو اسم مصدر عند قوله تعالى :
قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ
في سورة آل عمران [ 137 ] ، وعلى الأول فانتصاب
سُنَّةَ اللَّهِ
هنا على أنه اسم وضع في موضع المصدر لدلالته على معنى فعل ومصدر . قال في « الكشاف » كقولهم : تربا وجندلا ، أي في الدعاء ، أي ترب تربا . وأصله : ترب له وجندل له . وجاء على مراعاة الأصل قول المعري :
تمنت قويقا والسراة حيالها * تراب لها من أينق وجمال
ساقه مساق التعجب المشوب بغضب . وعلى الثاني فانتصاب
سُنَّةَ
على المفعول المطلق ، وعلى كلا الوجهين فالفعل مقدّر دل عليه المصدر أو نائبه . فالتقدير : سنّ اللّه سنته في الذين خلوا من قبل . والمعنى : أن محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم متّبع سنّة الأنبياء الذين سبقوه اتباعا لما فرض اللّه له كما فرض لهم ، أي أباح . والمراد ب
الَّذِينَ خَلَوْا
: الأنبياء بقرينة سياق لفظ النبي ، أي الذين خلوا من قبل النبوءة ، وقد زاده بيانا قوله :
الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ
، فالأنبياء كانوا متزوجين وكان لكثير منهم عدة أزواج ، وكان بعض أزواجهم أحب إليهم من بعضهن . فإن وقفنا عندما جاء في هذه الآية وما بيّنته الآثار الصحيحة فالعبرة بأحوال جميع الأنبياء . وإن تلقّينا بشيء من الإغضاء بعض الآثار الضعيفة التي ألصقت بقصة تزوج زينب كان داود عليه السلام عبرة بالخصوص فقد كانت له زوجات كثيرات وكان قد أحب أن يتزوج زوجة ( أوريا ) وهي التي ضرب اللّه لها مثلا بالخصم الذين تسوّروا المحراب وتشاكوا بين يديه . وستأتي في سورة ص ، وقد ذكرت القصة في « سفر الملوك » . ومحلّ