تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 254

مساهمون:

ص٢٥٤
والخشوع : الإخلاص بالقلب والظاهر ، وهو الانقياد وتجنب المعاصي ، ويدخل فيه الإحسان وهو المفسر في حديث جبريل « أن تعبد اللّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك » . ويدخل تحت ذلك جميع القرب النوافل فإنها من آثار الخشوع ، ويدخل فيه التوبة مما اقترفه المرء من الكبائر إذ لا يتحقق الخشوع بدونها . والتصدق : يحتوي جميع أنواع الصدقات والعطيات وبذل المعروف والإرفاق . والصوم : عبادة عظيمة ، فلذلك خصصت بالذكر مع أن الفرض منه مشمول للإسلام في قوله :
إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ
ويفي صوم النافلة ، فالتصريح بذكر الصوم تنويه به . و في الحديث « قال اللّه تعالى : الصوم لي وأنا أجزي به » . وحفظ الفروج : أريد به حفظها عما ورد الشرع بحفظها عنه ، وقد اندرج في هذا جميع أحكام النكاح وما يتفرع عنها وما هو وسيلة لها . وذكر اللّه كما علمت له محملان : أحدهما : ذكره اللساني فيدخل فيه قراءة القرآن وطلب العلم ودراسته . قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « ما اجتمع قوم في بيت من بيوت اللّه يتلون كتاب اللّه ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وذكرهم اللّه فيمن عنده » ، ففي قوله : « وذكرهم اللّه » إيماء إلى أن الجزاء من جنس عملهم فدل على أنهم كانوا في شيء من ذكر اللّه وقد قال تعالى :
فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ
[ البقرة : 152 ] وقال فيما أخبر عنه رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم « وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم » . وشمل ما يذكر عقب الصلوات ونحو ذلك من الأذكار . والمحمل الثاني : الذكر القلبي وهو ذكر اللّه عند أمره ونهيه كما قال عمر بن الخطاب : أفضل من ذكر اللّه باللسان ذكر اللّه عند أمره ونهيه ، وهو الذي في قوله تعالى :
وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ
[ آل عمران : 135 ] فدخل فيه التوبة ودخل فيها الارتداع عن المظالم كلها من القتل وأخذ أموال الناس والحرابة والإضرار بالناس في المعاملات . ومما يوضح شموله لهذه الشرائع كلها تقييده ب
كَثِيراً
لأن المرء إذا ذكر اللّه كثيرا فقد استغرق ذكره على المحملين جميع ما يذكر اللّه عنده . ويراعى في الاتصاف بهذه الصفات أن تكون جارية على ما حدده الشرع في