تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 240

مساهمون:

ص٢٤٠
والتقييد بقوله :
إِنِ اتَّقَيْتُنَّ
ليس لقصد الاحتراز عن ضد ذلك وإنما هو إلهاب وتحريض على الازدياد من التقوى ، وقريب من هذا المعنى قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لحفصة : « إن عبد اللّه - يعني أخاها - رجل صالح لو كان يقوم من الليل » ، فلما أبلغت حفصة ذلك عبد اللّه بن عمر لم يترك قيام الليل بعد ذلك لأنه علم أن المقصود التحريض على القيام . وفعل الشرط مستعمل في الدلالة على الدوام ، أي إن دمتنّ على التقوى فإن نساء النبي صلّى اللّه عليه وسلّم متّقيات من قبل ، وجواب الشرط دل عليه ما قبله . واعلم أن ظاهر هذه الآية تفضيل أزواج النبي صلّى اللّه عليه وسلّم على جميع نساء هذه الأمة . وقد اختلف في التفاضل بين الزوجات وبين بنات النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . وعن الأشعري الوقف في ذلك ، ولعل ذلك لتعارض الأدلة السمعية ولاختلاف جهات أصول التفضيل الدينية والروحية بحيث يعسر ضبطها بضوابط . أشار إلى جملة منها أبو بكر بن العربي في « شرح الترمذي » في حديث رؤيا رجل من أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : أنه رأى ميزانا نزل من السماء فوزن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأبو بكر ، فرجح النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، ووزن أبو بكر وعمر فرجح أبو بكر ، ووزن عمر وعثمان فرجح عمر ، ثم رفع الميزان . والجهات التي بنى عليها أبو بكر بن العربي أكثرها من شؤون الرجال . وليس يلزم أن تكون بنات النبي ولا نساؤه سواء في الفضل . ومن العلماء من جزموا بتفضيل بنات رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على أزواجه وبخاصة فاطمة رضي اللّه عنها وهو ظاهر كلام التفتازانيّ في كتاب « المقاصد » . وهي مسألة لا يترتب على تدقيقها عمل فلا ينبغي تطويل البحث فيها . والأحسن أن يكون الوقف على
إِنِ اتَّقَيْتُنَّ
، وقوله
فَلا تَخْضَعْنَ
ابتداء تفريع وليس هو جواب الشرط .
فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفاً
. فرع على تفضيلهن وترفيع قدرهن إرشادهنّ إلى دقائق من الأخلاق قد تقع الغفلة عن مراعاتها لخفاء الشعور بآثارها ، ولأنها ذرائع خفية نادرة تفضي إلى ما لا يليق بحرمتهن في نفوس بعض ممن اشتملت عليه الأمة ، وفيها منافقوها . وابتدئ من ذلك بالتحذير من هيئة الكلام فإن الناس متفاوتون في لينه ، والنساء في كلامهن رقّة طبيعية وقد يكون لبعضهن من اللطافة ولين النفس ما إذا انضمّ إلى لينها الجبليّ قربت هيئته من هيئة التدلّل لقلة اعتياد مثله إلا في تلك الحالة . فإذا بدا ذلك على
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 240 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور