تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 236

مساهمون:

ص٢٣٦
على وصفه بالعظيم . وتوكيد جملة الجزاء بحرف
إِنْ
الذي ليس هو لإزالة التردد إظهار للاهتمام بهذا الأجر . وقد جاء في كتب السنة : أنه لما نزلت هذه الآية ابتدأ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بعائشة فقال لها : « إني ذاكر لك أمرا فلا عليك أن لا تستعجلي حتى تستأمري أبويك ، ثم تلا هذه الآية ، فقالت عائشة : أفي هذا أستأمر أبويّ ؟ فإنّي أريد اللّه ورسوله والدار الآخرة ، وقال لسائر أزواجه مثل ذلك ، فقلن مثل ما قالت عائشة » . ولا طائل تحت الاشتغال بأن هذا التخيير هل كان واجبا على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أو مندوبا ، فإنه أمر قد انقضى ولم يكن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بالذي يخالف أمر اللّه تعالى بالوجوب أو الندب . [ 30 ]

[ سورة الأحزاب ( 33 ) : آية 30 ]

يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً ( 30 ) تولى اللّه خطابهن بعد أن أمر رسوله بتخييرهنّ فخيرهنّ فاخترن اللّه ورسوله والدار الآخرة ، فخاطبهن ربّهنّ خطابا لأنهن أصبحن على عهد مع اللّه تعالى أن يؤتيهنّ أجرا عظيما . وقد سمّاه عمر عهدا فإنه كان كثيرا ما يقرأ في صلاة الصبح سورة الأحزاب فإذا بلغ هذه الآية رفع بها صوته فقيل له في ذلك ، فقال : أذكّرهنّ العهد ، ولما كان الأجر الموعود منوطا بالإحسان أريد تحذيرهن من المعاصي بلوغا بهن إلى مرتبة الملكية مبالغة في التحذير إذ جعل عذاب المعصية على فرض أن تأتيها إحداهن عذابا مضاعفا . ونداؤهنّ للاهتمام بما سيلقى إليهن . وناداهنّ بوصف نساء النبي ليعلمن أن ما سيلقى إليهن خبر يناسب علوّ أقدارهنّ . والنساء هنا مراد به الحلائل ، وتقدم في قوله تعالى :
وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ
في سورة آل عمران [ 61 ] . وقرأ الجمهور
يَأْتِ
بتحتية في أوله مراعاة لمدلول
مَنْ
الشرطية لأن مدلولها شيء فأصله عدم التأنيث . وقرأه يعقوب من تأت بفوقية في أوله مراعاة لما صدق
مَنْ
أي : إحدى النساء . وقرأ الجمهور
يُضاعَفْ
بتحتية في أوله للغائب وفتح العين مبنيا للنائب ورفع
الْعَذابُ
على أنه نائب فاعل . وقرأه ابن كثير وابن عامر نضعف بنون العظمة وبتشديد العين مكسورة ونصب
الْعَذابُ
على المفعولية ؛ فيكون إظهار اسم الجلالة في قوله بعده :
وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً
إظهارا في مقام الإضمار . وقرأه أبو عمرو ويعقوب
يُضاعَفْ
بتحتية للغائب
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 236 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور