أُولئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً
.
جيء باسم الإشارة لقصد تمييزهم بتلك الصفات الذميمة التي أجريت عليهم من قبل ، وللتنبيه على أنهم أحرياء بما سيرد من الحكم بعد اسم الإشارة ، كقوله تعالى :
أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
في سورة البقرة [ 5 ] .
وقد أجري عليهم حكم انتفاء الإيمان عنهم بقوله
أُولئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا
كشفا لدخائلهم لأنهم كانوا يوهمون المسلمين أنهم منهم كما قال تعالى :
وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا
في سورة البقرة [ 14 ] . ورتب على انتفاء إيمانهم أن اللّه أحبط أعمالهم .
والإحباط : جعل شيء حابطا ، فالهمزة فيه للجعل مثل الإذهاب . والحبط حقيقته :
أنه فساد ما يراد به الصلاح والنفع . ويطلق مجازا على إفساد ما كان نافعا أو على كون الشيء فاسدا ويظن أنه ينفع يقال : حبط حقّ فلان ، إذا بطل . والإطلاق المجازي ورد كثيرا في القرآن . وفعله من بابي سمع وضرب . ومصدره : الحبط ، واسم المصدر :
الحبوط . ويقال : أحبط فلان الشيء ، إذا أبطله ، ومنه إحباط دم القتيل ، أي : إبطال حق القود به . فإحباط الأعمال : إبطال الاعتداد بالأعمال المقصود بها القربة والمظنون بها أنها أعمال صالحة لمانع منع من الاعتداد بها في الدين .
وقد صار لفظ الحبط والحبوط من الألفاظ الشرعية الاصطلاحية بين علماء الفقه والكلام ، فأطلق على عدم الاعتداد بالأعمال الصالحة بسبب الردة ، أي : الرجوع إلى الكفر ، أو بسبب زيادة السيئات على الحسنات بحيث يستحق صاحب الأعمال العذاب بسبب زيادة سيئاته على حسناته بحسب ما قدر اللّه لذلك وهو أعلم به ، ومن هذه الجهة عدّت مسألة الحبوط مع المسائل الكلامية ، أو بحيث ينظر في انتفاعه بما فعل من الواجبات عليه إذا ارتد عن الإسلام ثم عاد إلى الإسلام كمن حج ثم ارتد ثم رجع إلى الإسلام ، ومن هذه الجهة تعد مسألة الحبوط في مسائل الفقه ، فقال مالك وأبو حنيفة :
الردة تحبط الأعمال بمجرد حصولها فإذا عاد إلى الإسلام وكان قد حجّ مثلا قبل ردّته وجبت عليه إعادة الحج تمسكا بإطلاق هذه الآية إذ ناطت الحبوط بانتفاء الإيمان ، ولم يريا أن هذا مما يحمل فيه المطلق على المقيّد احتياطا لأن هذا الحكم راجع إلى الاعتقادات ولا يكفي فيها الظن . وقال الشافعي : إذا رجع إلى الإسلام رجعت إليه أعماله