تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 219

مساهمون:

ص٢١٩
الدال وفتحها - لأنه يدور به زائروه كالطواف . وسميت الكعبة دوارا أيضا ، وسموا ما يحيط بالقمر دارة . وسميت مصيبة الحرب دائرة لأنهم تخيلوها محيطة بالذي نزلت به لا يجد منها مفرّا ، قال عنترة :
ولقد خشيت بأن أموت ولم تدر * في الحرب دائرة على ابني ضمضم
فمعنى
تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ
أنها تضطرب في أجفانها كحركة الجسم الدائرة من سرعة تنقلها محملقة إلى الجهات المحيطة . وشبه نظرهم بنظر الذي يغشى عليه بسبب النزع عند الموت فإن عينيه تضطربان . وذهاب الخوف مجاز مشهور في الانقضاء ، أي : زوال أسبابه بأن يترك القتال أو يتبين أن لا يقع قتال . وذلك عند انصراف الأحزاب عن محاصرة المدينة كما سيدل عليه قوله
يَحْسَبُونَ الْأَحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا
[ الأحزاب : 20 ] . والسلق : قوة الصوت والصياح . والمعنى : رفعوا أصواتهم بالملامة على التعرض لخطر العدوّ الشديد وعدم الانصياع إلى إشارتهم على المسلمين بمسالمة المشركين ، وفسر السلق بأذى اللسان . قيل : سأل نافع بن الأرزق عبد اللّه بن عباس عن
سَلَقُوكُمْ
فقال : الطعن باللسان . فقال نافع : هل تعرف العرب ذلك ؟ فقال : نعم ، أما سمعت قول الأعشى :
فيهم الخصب والسماحة والنج * دة فيهم والخاطب المسلاق
و
حِدادٍ
: جمع حديد ، وحديد : كل شيء نافذ فعل أمثاله قال تعالى
فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ
[ ق : 22 ] . وانتصب
أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ
على الحال من ضمير الرفع في
سَلَقُوكُمْ
، أي : خاصموكم ولاموكم وهم في حال كونهم أشحة على ما فيه الخير للمسلمين ، أي أن خصامهم إياهم ليس كما يبدو خوفا على المسلمين واستبقاء عليهم ولكنه عن بغض وحقد ؛ فإن بعض اللوم والخصام يكون الدافع إليه حبّ الملوم وإبداء النصيحة له ، وأقوال الحكماء والشعراء في هذا المعنى كثيرة . ويجوز أن يكون الخير هنا هو المال كقوله تعالى
إِنْ تَرَكَ خَيْراً
[ البقرة : 180 ] . وقوله :
وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ
[ العاديات : 8 ] ، أي : هم في حالة السلم يسرعون إلى ملامكم ولا يواسونكم بأموالهم للتجهيز للعدوّ إن عاد إليكم . ودخلت
عَلَى
هنا على المبخول به .
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 219 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور