وانتصب
نُزُلًا
على الحال من
جَنَّاتُ الْمَأْوى
. والنزل بضمتين مشتق من النزول فيطلق على ما يعد للنزيل من العطاء والقرى قال في « الكشاف » : النزل : عطاء النازل ، ثم صار عاما ، أي : يطلق على العطاء ولو بدون ضيافة مجازا مرسلا . قلت :
ويطلق على محل نزول الضيف ولأجل هذه الإطلاقات يختلف المفسرون في المراد منه في بعض الآيات رعيا لما يناسب سياق الكلام . وفسره الزجاج في هذه الآية ونحوها بالمنزل ، وفسره في قوله تعالى :
أَ ذلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ
[ الصافات : 62 ] فقال :
« يقول أذلك خير في باب الأنزال التي تمكن معها الإقامة أم نزل أهل النار » وقد تقدم في آخر سورة آل عمران [ 163 ] ، والباء في
بِما كانُوا يَعْمَلُونَ
للسببية .
وقوله :
كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أُعِيدُوا فِيها
تقدم نظيره في سورة الحج [ 22 ] .
ويتجه في هذه الآية أن يقال : لما ذا أظهر اسم النار في قوله
ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ
مع أن اسم النار تقدم في قوله
فَمَأْواهُمُ النَّارُ
فكان مقتضى الظاهر الإضمار بأن يقال :
وقيل لهم ذوقوا عذابها . وهذا السؤال أورده ابن الحاجب في « أماليه » وأجاب بوجهين :
أحدهما أن سياق الآية التهديد وفي إظهار لفظ النار من التخويف ما ليس في الإضمار ، الثاني : أن الجملة حكاية لما يقال لهم يومئذ فناسب أن يحكى كما قيل لهم وليس فيما يقال لهم تقدّم ذكر النار .
[ 21 ]
[ سورة السجدة ( 32 ) : آية 21 ]
وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ( 21 )
إخبار بأن لهم عذابا آخر لا يبلغ مبلغ عذاب النار الموعودين به في الآخرة فتعين أن العذاب الأدنى عذاب الدنيا . والمقصود من هذا : التعريض بتهديدهم لأنهم يسمعون هذا الكلام أو يبلغ إليهم . وهذا إنذار بما لحقهم بعد نزول الآية وهو ما محنوا به من الجوع والخوف وكانوا في أمن منهما وما يصيبهم يوم بدر من القتل والأسر ويوم الفتح من الذل .
وجملة
لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
استئناف بياني لحكمة إذاقتهم العذاب الأدنى في الدنيا بأنه لرجاء رجوعهم ، أي رجوعهم عن الكفر بالإيمان . والمراد : رجوع من يمكن رجوعه وهم الأحياء منهم . وإسناد الرجوع إلى ضمير جميعهم باعتبار القبيلة والجماعة ، أي لعل جماعتهم ترجع . وكذلك كان فقد آمن كثير من الناس بعد يوم بدر وبخاصة بعد فتح مكة ، فصار من تحقق فيهم الرجوع المرجوّ مخصوصين من عموم
الَّذِينَ فَسَقُوا
في قوله