تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 163

مساهمون:

ص١٦٣

[ سورة السجدة ( 32 ) : الآيات 18 إلى 20 ]

أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ ( 18 ) أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوى نُزُلاً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 19 ) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النَّارُ كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أُعِيدُوا فِيها وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ( 20 ) فرع بالفاء على ما تقدم من الآيات من الوعد للمؤمنين والوعيد للكافرين استفهام بالهمزة مستعمل في إنكار المساواة بين المؤمن والكافر ، وهو إنكار بتنزيل السامع منزلة المتعجب من البون بين جزاء الفريقين في ذلك اليوم فكان الإنكار موجها إلى ذلك التعجب في معنى الاستئناف البياني . والكاف للتشبيه في الجزاء . وجملة
لا يَسْتَوُونَ
عطف بيان للمقصود من الاستفهام . والفاسق هنا هو : من ليس بمؤمن بقرينة قوله بعده
وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ
. فالمراد : الفسق عن الإيمان الذي هو الشرك وهو إطلاق كثير في القرآن . ثم أكد كلا الجزاءين بذكر مرادف لمدلوله مع زيادة فائدة ، فجملة
فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوى
إلى آخرها مؤكدة لمضمون جملة
فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ
[ السجدة : 17 ] إلى آخرها . وجملة
فَمَأْواهُمُ النَّارُ
إلى آخرها مؤكدة لمضمون جملة
فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا
إلى
بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
[ السجدة : 14 ] . ومن الموصولة في الموضعين عامة بقرينة التفصيل بالجمع في قوله
أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا
إلخ . و
أَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا
. فليست الآية نازلة في معيّن كما قيل . و
الْمَأْوى
: المكان الذي يؤوى إليه ، أي يرجع إليه . والتعريف باللام فيه للعهد ، أي مأوى المؤمنين ، قال تعالى :
عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى
[ النجم : 15 ] . ولك أن تجعل اللام عوضا عن المضاف إليه ، أي مأواهم بقرينة قوله في مقابل
فَمَأْواهُمُ النَّارُ
. وإضافة
جَنَّاتُ
إلى
الْمَأْوى
من إضافة الموصوف إلى الصفة لقصد التخفيف وهي واقعة في الكلام وإن اختلف البصريون والكوفيون في تأويلها خلافا لا طائل تحته ، وذلك مثل قولهم : مسجد الجامع ، وقوله تعالى :
وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ
[ القصص : 44 ] ، وقولهم : عشاء الآخرة . والمعنى : فلهم الجنات المأوى لهم ، أي الموعودون بها .