تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 146

مساهمون:

ص١٤٦
فدلائلها كثيرة من غير هذه الآية . و ( لعلّ ) مستعارة تمثيلا لإرادة اهتدائهم والحرص على حصوله . [ 4 ]

[ سورة السجدة ( 32 ) : آية 4 ]

اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَ فَلا تَتَذَكَّرُونَ ( 4 ) لما كان الركن الأعظم من أركان هدى الكتاب هو إثبات الوحدانية للإله وإبطال الشرك عقب الثناء على الكتاب بإثبات هذا الركن . وجيء باسم الجلالة مبتدأ لإحضاره في الأذهان بالاسم المختص به قطعا لدابر عقيدة الشريك في الإلهية ، وخبر المبتدأ جملة
ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ
، ويكون قوله :
الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما
صفة لاسم الجلالة . وجيء باسم الموصول للإيماء إلى وجه بناء الخبر وأنه الانفراد بالربوبية لجميع الخلائق في السماوات والأرض وما بينهما ، ومن أولئك المشركون المعنيون بالخبر ، والخطاب موجه إلى المشركين على طريقة الالتفات . والوليّ : مشتق من الولاء ، بمعنى : العهد والحلف والقرابة . ومن لوازم حقيقة الولاء النصر والدفاع عن المولى . وأريد بالولي : المشارك في الربوبية . والشفيع : الوسيط في قضاء الحوائج من دفع ضرّ أو جلب نفع . والمشركون زعموا أن الأصنام آلهة شركاء للّه في الإلهية ثم قالوا :
هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ
[ يونس : 18 ] وقالوا :
ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى
[ الزمر : 3 ] . و
مِنْ
في قوله
مِنْ دُونِهِ
ابتدائية في محل الحال من ضمير
لَكُمْ
، و ( دون ) بمعنى غير ، و
مِنْ
في قوله
مِنْ وَلِيٍّ
زائدة لتأكيد النفي ، أي : لا وليّ لكم ولا شفيع لكم غير اللّه فلا ولاية للأصنام ولا شفاعة لها إبطالا لما زعموه لأصنامهم من الوصفين إبطالا راجعا إلى إبطال الإلهية عنها . وليس المراد أنهم لا نصير لهم ولا شفيع إلا اللّه لأن اللّه لا ينصرهم على نفسه ولا يشفع لهم عند نفسه ، قال اللّه تعالى :
ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ
[ محمد : 11 ] وقال :
مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ
[ البقرة : 255 ] . وتقدم تفسير نظيره
إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ