تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 145

مساهمون:

ص١٤٥
فرقهم ومواطنهم بعد سيل العرم وانقسموا أقواما جددا ولم يأتهم نذير منذ ذلك الزمن وإن كان المنذرون قد جاءوا أسلافهم مثل هود وصالح وتبع ، فذلك كان قبل تقوّم قوميتهم الجديدة . وإما أن يكون المراد العرب كلّهم بما يشمل أهل اليمن واليمامة والبحرين وغيرهم ممن شملتهم جزيرة العرب وكلّهم لا يعدون أن يرجعوا إلى ذينك الجذمين ، وقد كان انقسامهم أقواما ومواطن بعد سيل العرم ولم يأتهم نذير بعد ذلك الانقسام كما تقدم في حال القحطانيين من أهل الحجاز . وأما ما ورد من ذكر حنظلة بن صفوان صاحب أهل الرّسّ ، وخالد بن سنان صاحب بني عبس فلم يثبت أنهما رسولان واختلف في نبوّتهما . وقد روي أن ابنة خالد بن سنان وفدت إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وهي عجوز وأنه قال لها : « مرحبا بابنة نبيء ضيّعه قومه » . وليس لذلك سند صحيح . وأيّا ما كان فالعرب كلهم أو الذين شملتهم دعوة الإسلام يومئذ يحق عليهم وصف
ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ
من وقت تحقق قوميتهم . والمقصود به : تذكيرهم بأنهم أحوج الأقوام إلى نذير ، إذ لم يكونوا على بقية من هدى وأثارة هممهم لاغتباط أهل الكتاب ليتقبلوا الكتاب الذي أنزل إليهم ويسبقوا أهل الكتاب إلى اتّباعه ؛ فيكون للمؤمنين منه السبق في الشرع الأخير كما كان لمن لم يسلم من أهل الكتاب السبق ببعض الاهتداء وممارسة الكتاب السابق . وقد اهتم بعض أهل الأحلام من العرب بتطلب الدين الحق فتهوّد كثير من عرب اليمن ، وتنصّرت طيئ وكلب وتغلب وغيرهم من نصارى العرب ، وتتبع الحنيفية نفر مثل قسّ بن ساعدة ، وزيد بن عمرو بن نفيل ، وأمية بن أبي الصلت ، وكان ذلك تطلبا للكمال ولم يأتهم رسول بذلك . وهذا التعليل لا يقتضي اقتصار الرسالة الإسلامية على هؤلاء القوم ولا ينافي عموم الرسالة لمن أتاهم نذير ، لأن لام العلة لا تقتضي إلا كون ما بعدها باعثا على وقوع الفعل الذي تعلقت به دون انحصار باعث الفعل في تلك العلة ، فإن الفعل الواحد قد تكون له بواعث كثيرة ، وأفعال اللّه تعالى منوطة بحكم عديدة ، ودلائل عموم الرسالة متواترة من صريح القرآن والسنّة ومن عموم الدعوة . وقيل : أريد بالقوم الذين لم يأتهم نذير من قبل جميع الأمم ، وأن المراد بأنهم لم يأتهم نذير أنهم كلّهم لم يأتهم نذير بعد أن ضلّوا ، سواء منهم من ضلّ في شرعه مثل أهل الكتاب ، ومن ضلّ بالخلو عن شرع كالعرب . وهذا الوجه بعيد عن لفظ ( قوم ) وعن فعل
أَتاهُمْ
ومفيت للمقصود من هذا الوصف كما قدمناه . وأما قضية عموم الدعوة المحمدية