تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 83

مساهمون:

ص٨٣
يسدى إليه من الخير . والمراد : بطرت حالة معيشتها ، أي نعمة عيشها . والمعيشة هنا اسم مصدر بمعنى العيش والمراد حالته فهو على حذف مضاف دل عليه المقام ، ويعلم أنها حالة حسنة من قوله :
بَطِرَتْ
وهي حالة الأمن والرزق . والإشارة ب ( تلك ) إلى
مَساكِنُهُمْ
الذي بيّن به اسم الإشارة لأنه في قوة تلك المساكن . وبذلك صارت الإشارة إلى حاضر في الذهن منزّل منزلة الحاضر بمرأى السامع ، ولذلك فقوله :
لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ
خبر عن اسم الإشارة والتقدير : فمساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا . والسكنى : الحلول في البيت ونحوه في الأوقات المعروفة بقصد الاستمرار زمنا طويلا . ومعنى
لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ
لم يتركوا فيها خلفا لهم . وذلك كناية عن انقراضهم عن بكرة أبيهم . وقوله
إِلَّا قَلِيلًا
احتراس أي إلا إقامة المارين بها المعتبرين بهلاك أهلها . وانتصب
قَلِيلًا
على الاستثناء من عموم أزمان محذوفة . والتقدير : إلا زمانا قليلا ، أو على الاستثناء من مصدر محذوف . والتقدير : لم تسكن سكنا إلّا سكنا قليلا ، والسّكن القليل : هو مطلق الحلول بغير نية إطالة فهي إلمام لا سكنى . فإطلاق السكنى على ذلك مشاكلة ليتأتى الاستثناء ، أي لم تسكن إلا حلول المسافرين أو إناخة المنتجعين مثل نزول جيش غزوة تبوك بحجر ثمود واستقائهم من بئر الناقة . والمعنى : فتلك مساكنهم خاوية خلاء لا يعمرها عامر ، أي أن اللّه قدر بقاءها خالية لتبقى عبرة وموعظة بعذاب اللّه في الدنيا . وبهذه الآية يظهر تأويل قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم حين مرّ في طريقه إلى تبوك بحجر ثمود فقال : « لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم أن يصيبك مثل ما أصابهم إلا أن تكونوا باكين » أي خائفين أي اقتصارا على ضرورة المرور لئلا يتعرضوا إلى تحقق حقيقة السكنى التي قدر اللّه انتفاءها بعد قومها فربما قدر إهلاك من يسكنها تحقيقا لقدره . وجملة
وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ
عطف على جملة
لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ
وهو يفيد
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 83 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور