تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 59

مساهمون:

ص٥٩
سورة النمل [ 44 ] . ورجا أن يصل بهذا الصرح إلى السماء حيث مقر إله موسى . وهذا من فساد تفكيره إذ حسب أن السماء يوصل إليها بمثل هذا الصرح ما طال بناؤه ، وأن اللّه مستقر في مكان من السماء . والاطلاع : الطلوع القوي المتكلف لصعوبته . وقوله
وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ
استعمل فيه الظن بمعنى القطع فكانت محاولته الوصول إلى السماء لزيادة تحقيق ظنه ، أو لأنه أراد أن يقنع قومه بذلك . ولعله أراد بهذا تمويه الأمر على قومه ليلقي في اعتقادهم أن موسى ادعى أن اللّه في مكان معين يبلغ إليه ارتفاع صرحه . ثم يجعل عدم العثور على الإله في ذلك الارتفاع دليلا على عدم وجود الإله الذي ادعاه موسى . وكانت عقائد أهل الضلالة قائمة على التخيل الفاسد ، وكانت دلائلها قائمة على تمويه الدجالين من زعمائهم . وقوله
مِنَ الْكاذِبِينَ
يدل على أنه يعده من الطائفة الذين شأنهم الكذب كما تقدم في قوله تعالى
قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ
[ البقرة : 67 ] . ولم يذكر القرآن أن هذا الصرح بني ، وليس هو أحد الأهرام لأن الأهرام بنيت من حجارة لا من آجرّ ، ولأنها جعلت مدافن للذين بنوها من الفراعنة . واختلف المفسرون هل وقع بناء هذا الصرح وتم أو لم يقع ؛ فحكى بعضهم أنه تم وصعد فرعون إلى أعلاه ونزل وزعم أنه قتل رب موسى . وحكى بعضهم أن الصرح سقط قبل إتمام بنائه فأهلك خلقا كثيرا من عملة البناء والجند . وحكى بعضهم أنه لم يشرع في بنائه . وقد لاح لي في معنى الآية وجه آخر سأذكره في سورة المؤمن . [ 39 ]

[ سورة القصص ( 28 ) : آية 39 ]

وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنا لا يُرْجَعُونَ ( 39 ) الاستكبار : أشد من الكبر ، أي تكبر تكبرا شديدا إذ طمع في الوصول إلى الرب العظيم وصول الغالب أو القرين . و
جُنُودُهُ
: أتباعه . فاستكباره هو الأصل واستكبار جنوده تبع لاستكباره لأنهم يتّبعونه ويتلقون ما يمليه عليهم من العقائد .
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 59 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور