تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 42

مساهمون:

ص٤٢
( صفورة ) فجاءته وهو لم يزل عن مكانه في الظل . وذكر
تَمْشِي
ليبني عليه قوله
عَلَى اسْتِحْياءٍ
وإلا فإن فعل ( جاءته ) مغن عن ذكر
تَمْشِي
. و
عَلَى
للاستعلاء المجازي مستعارة للتمكن من الوصف . والمعنى : أنها مستحيية في مشيها ، أي تمشي غير متبخترة ولا متثنية ولا مظهرة زينة . وعن عمر بن الخطاب أنها كانت ساترة وجهها بثوبها ، أي لأن ستر الوجه غير واجب عليها ولكنه مبالغة في الحياء . والاستحياء مبالغة في الحياء مثل الاستجابة قال تعالى
وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ
إلى قوله
لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ
[ النور : 31 ] . وجملة
قالَتْ
بدل من ( جاءته ) . وإنما بيّنت له الغرض من دعوته مبادرة بالإكرام . والجزاء : المكافأة على عمل حسن أو سيّئ بشيء مثله في الحسن أو الإساءة ، قال تعالى
هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ
[ الرحمن : 60 ] وقال تعالى
ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا
[ سبأ : 17 ] . وتأكيد الجملة في قوله
إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ
حكاية لما في كلامها من تحقيق الخبر للاهتمام به وإدخال المسرة على المخبر به . والأجر : التعويض على عمل نافع للمعوض ، ومنه سمي ثواب الطاعات أجرا ، قال تعالى
وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ
[ محمد : 36 ] . وانتصب
أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا
على المفعول المطلق لبيان نوع الجزاء أنه جزاء خير ، وهو أن أراد ضيافته ، وليس هو من معنى إجارة الأجير لأنه لم يكن عن تقاول ولا شرط ولا عادة . والجزاء : إكرام ، والإجارة : تعاقد . ويدل لذلك قوله عقبه
قالَتْ إِحْداهُما يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ
[ القصص : 26 ] فإنه دليل على أن أباها لم يسبق منه عزم على استئجار موسى . وكان فعل موسى معروفا محضا لا يطلب عليه جزاء لأنه لا يعرف المرأتين ولا بيتهما ، وكان فعل شعيب كرما محضا ومحبة لقري كل غريب ، وتضييف الغريب من سنة إبراهيم فلا غرو أن يعمل بها رجلان من ذرية إبراهيم عليه السلام . و
ما
في قوله
ما سَقَيْتَ لَنا
مصدرية ، أي سقيك ، ولام
لَنا
لام العلة .
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 42 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور