تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 37

مساهمون:

ص٣٧
إلا تمثال ، وهو بمعنى اللقاء والمقاربة . وشاع إطلاق هذا المصدر على جهته فصار من ظروف المكان التي تنصب على الظرفية . والتقدير : لما توجه جهة تلاقي مدين ، أي جهة تلاقي بلاد مدين ، وقد تقدم قوله تعالى
وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النَّارِ
في سورة الأعراف [ 47 ] . و
مَدْيَنَ
: قوم من ذرية مدين بن إبراهيم . وقد مضى الكلام عليهم عند قوله تعالى
وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً
في سورة الأعراف [ 85 ] . وأرض مدين واقعة على الشاطئ الغربي من البحر الأحمر وكان موسى قد سلك إليها عند خروجه من بلد ( رعمسيس ) أو ( منفيس ) طريقا غربية جنوبية فسلك برية تمر به على أرض العمالقة وأرض الأدوميين ثم بلاد النبط إلى أرض مدين . تلك مسافة ثمانمائة وخمسين ميلا تقريبا . وإذ قد كان موسى في سيره ذلك راجلا فتلك المسافة تستدعي من المدة نحوا من خمسة وأربعين يوما . وكان يبيت في البرية لا محالة . وكان رجلا جلدا وقد ألهمه اللّه سواء السبيل فلم يضل في سيره . والسواء : المستقيم النهج الذي لا التواء فيه . وقد ألهمه اللّه هذه الدعوة التي في طيها توفيقه إلى الدين الحق . [ 23 ، 24 ]

[ سورة القصص ( 28 ) : الآيات 23 إلى 24 ]

وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ قالَ ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ ( 23 ) فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ( 24 ) يدل قوله
لَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ
أنه بلغ أرض مدين ، وذلك حين ورد ماءهم . والورود هنا معناه الوصول والبلوغ كقوله تعالى
وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها
[ مريم : 71 ] . والمراد بالماء موضع الماء . وماء القوم هو الذي تعرف به ديارهم لأن القبائل كانت تقطن عند المياه وكانوا يكنون عن أرض القبيلة بماء بني فلان ، فالمعنى : ولما ورد ، أي عندما بلغ بلاد مدين . ويناسب الغريب إذا جاء ديار قوم أن يقصد الماء لأنه مجتمع الناس فهنالك يتعرف لمن يصاحبه ويضيفه . و
لَمَّا
حرف توقيت وجود شيء بوجود غيره ، أي عندما حل بأرض مدين وجد أمة .