تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 188

مساهمون:

ص١٨٨
والمعنى : أنه لا يسلّم أن التبليغ يحتاج إلى الإتيان بالخوارق على حسب رغبة الناس واقتراحهم حتى يكونوا معذورين في عدم تصديق الرسول إذا لم يأتهم بآية حسب اقتراحهم . وخصّ بالذكر من أحوال الرسالة وصف النذير تعريضا بالمشركين بأن حالهم يقتضي الإنذار وهو توقع الشر . والمبين : الموضح للإنذار بالدلائل العقلية الدالة على صدق ما يخبر به . وقرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر وحفص عن عاصم وأبو جعفر ويعقوب :
آياتٌ
. وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم وخلف : آية . والجمع والإفراد في هذا سواء لأن القصد إلى الجنس ، فالآية الواحدة كافية في التصديق . [ 51 ]

[ سورة العنكبوت ( 29 ) : آية 51 ]

أَ وَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( 51 ) عطف على جملة :
قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ
[ العنكبوت : 50 ] وهو ارتقاء في المجادلة . والاستفهام تعجيبي إنكاري . والمعنى : وهل لا يكفيهم من الآيات آيات القرآن فإن كل مقدار من مقادير إعجازه آية على صدق الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم فإن آيات القرآن زهاء ستة آلاف آية . ومقدار كل ثلاث آيات مقدار معجز ، فيحصل من القرآن مقدار ألفي معجزة وذلك لم يحصل لأحد من رسل اللّه . و
الْكِتابَ
: القرآن ، وعدل عن لفظ القرآن الذي هو كالعلم عليه إلى لفظ الكتاب المعهود لإيمائه إلى معنى تعظيمه بأنه المشتهر من بين كتب الأنبياء . وجملة :
يُتْلى عَلَيْهِمْ
مستأنفة أو حال ، لأن الكتاب معلوم غير محتاج للوصف لما تشعر به مادة التلاوة من الانتشار والشيوع . واختير المضارع دون الوصف بأن يقال : متلوا عليهم ، لما يؤذن به المضارع من الاستمرار ، فحصل من مادة
يُتْلى
ومن صيغة المضارع دلالة على عموم الأمكنة والأزمنة . وقد أشار قوله :
يُتْلى عَلَيْهِمْ
وما بعده إلى خمس مزايا للقرآن على غيره من المعجزات . المزية الأولى : ما أشار إليه قوله
يُتْلى عَلَيْهِمْ
من انتشار إعجازه وعمومه في المجامع والآفاق والأزمان المختلفة بحيث لا يختص بإدراك إعجازه فريق خاص في زمن