عمل هو إتقانه وحصول المراد منه ، قال تعالى
وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا
[ ص : 27 ] .
والمراد بالسماوات والأرض ما يشمل ذاتهما والموجودات المظروفة فيهما . وهذا الخلق المتقن الذي لا تقصير فيه عما أريد منه هو آية على وحدانية الخالق وعلى صفات ذاته وأفعاله .
[ 45 ]
[ سورة العنكبوت ( 29 ) : آية 45 ]
اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ ( 45 )
بعد أن ضرب اللّه للناس المثل بالأمم السالفة جاء بالحجة المبيّنة فساد معتقد المشركين ، ونوه بصحة عقائد المؤمنين بمنتهى البيان الذي ليس وراءه مطلب أقبل على رسوله بالخطاب الذي يزيد تثبيته على نشر الدعوة وملازمة الشرائع وإعلان كلمة اللّه بذلك ، وما فيه زيادة صلاح المؤمنين الذين انتفعوا بدلائل الوحدانية . وما الرسول عليه الصلاة والسلام إلا قدوة للمؤمنين وسيّدهم فأمره أمر لهم كما دل عليه التذييل بقوله
وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ
بصيغة جمع المخاطبين كقوله
فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَمَنْ تابَ مَعَكَ
[ هود : 112 ] قرآن إذ ما فرط فيه من شيء من الإرشاد .
وحذف متعلق فعل
اتْلُ
ليعم التلاوة على المسلمين وعلى المشركين . وهذا كقوله تعالى
إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها
إلى قوله
وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ
« 1 » [ النمل : 91 ، 92 ] .
وأمره بإقامة الصلاة لأن الصلاة عمل عظيم ، وهذا الأمر يشمل الأمة فقد تكرر الأمر بإقامة الصلاة في آيات كثيرة .
وعلل الأمر بإقامة الصلاة بالإشارة إلى ما فيها من الصلاح النفساني فقال
إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ
، فموقع
إِنَّ
هنا موقع فاء التعليل ولا شك أن هذا التعليل موجّه إلى الأمة لأن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم معصوم من الفحشاء والمنكر فاقتصر على تعليل الأمر بإقامة الصلاة دون تعليل الأمر بتلاوة القرآن لما في هذا الصلاح الذي جعله اللّه في الصلاة من سرّ إلهي لا يهتدي إليه الناس إلا بإرشاد منه تعالى ؛ فأخبر أن الصلاة تنهى عن
هامش
( 1 ) في المطبوعة ( فإنما يضل عليها ) .