تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 121

مساهمون:

ص١٢١
ثم تكون جملة
قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جاءَ بِالْهُدى
بالنسبة إلى الوجه الأول بمنزلة التفريع على جملة
لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ
، أي رادّك إلى يوم المعاد فمظهر المهتدي والضالين ، فيكون علم اللّه بالمهتدي والضالّ مكنى به عن اتضاح الأمر بلا ريب لأن علم اللّه تعالى لا يعتريه تلبيس وتكون هذه الكناية تعريضا بالمشركين أنهم الضالون . وأن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم هو المهتدي . ولهذه النكتة عبّر عن جانب المهتدي بفعل
مَنْ جاءَ
للإشارة إلى أن المهتدي هو الذي جاء بهدي لم يكن معروفا من قبل كما يقتضيه : جاء بكذا . وعبر عن جانب الضالين بالجملة الاسمية المقتضية ثبات الضلال المشعر بأن الضلال هو أمرهم القديم الراسخ فيهم مع ما أفاده حرف الظرفية من انغماسهم في الضلال وإحاطته بهم . ويكون المعنى حينئذ على حد قوله تعالى
وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ
[ سبأ : 24 ] لظهور أن المبلغ لهذا الكلام لا يفرض في حقه أن يكون هو الشق الضال فيتعين أن الضال من خالفه . وبالنسبة إلى الوجه الثاني تكون بمنزلة الموادعة والمتاركة وقطع المجادلة . فالمعنى : عدّ عن إثبات هداك وضلالهم وكلّهم إلى يوم ردك إلى معادك يوم يتبين أن اللّه نصرك وخذلهم . وعلى المعنيين فجملة
قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ
مستأنفة استئنافا بيانيا عن جملة
إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ
جوابا لسؤال سائل يثيره أحد المعنيين . وفي تقديم جملة
إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ
على جملة
قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جاءَ بِالْهُدى
إعداد لصلاحية الجملة الثانية للمعنيين المذكورين . فهذا من الدلالة على معاني الكلام بمواقعه وترتيب نظامه وتقديم الجمل عن مواضع تأخيرها لتوفير المعاني . [ 86 ، 87 ]

[ سورة القصص ( 28 ) : الآيات 86 إلى 87 ]

وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلاَّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ ( 86 ) وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 87 )
وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ
. عطف على جملة :
إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ
[ القصص : 85 ] إلخ باعتبار ما تضمنته من الوعد بالثواب الجزيل أو بالنصر المبين ، أي كما حملك تبليغ القرآن فكان
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 121 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور