تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 115

مساهمون:

ص١١٥

[ سورة القصص ( 28 ) : آية 82 ]

وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْ لا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ ( 82 )
أَصْبَحَ
هنا بمعنى صار . و ( الأمس ) مستعمل في مطلق زمن مضى قريبا على طريقة المجاز المرسل . و ( مكان ) مستعمل مجازا في الحالة المستقر فيها صاحبها ، وقد يعبر عن الحالة أيضا بالمنزلة . ومعنى
يَقُولُونَ
أنهم يجهرون بذلك ندامة على ما تمنوه ورجوعا إلى التفويض لحكمة اللّه فيما يختاره لمن يشاء من عباده . وحكي مضمون مقالاتهم بقوله تعالى
وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ
الآية . وكلمة
وَيْكَأَنَّ
عند الأخفش وقطرب مركبة من ثلاث كلمات : ( وي ) وكاف الخطاب و ( أن ) . فأما ( وي ) فهي اسم فعل بمعنى : أعجب ، وأما الكاف فهي لتوجيه الخطاب تنبيها عليه مثل الكاف اللاحقة لأسماء الإشارة ، وأما ( أن ) فهي ( أن ) المفتوحة الهمزة أخت ( إن ) المكسورة الهمزة فما بعدها في تأويل مصدر هو المتعجب منه فيقدر لها حرف جرّ ملتزم حذفه لكثرة استعماله وكان حذفه مع ( أن ) جائزا فصار في هذا التركيب واجبا وهذا الحرف هو اللام أو ( من ) فالتقدير : أعجب يا هذا من بسط اللّه الرزق لمن يشاء . وكل كلمة من هذه الكلمات الثلاث تستعمل بدون الأخرى فيقال : وي بمعنى أعجب ، ويقال ( ويك ) بمعناه أيضا قال عنترة :
ولقد شفى نفسي وأبرأ سقمها * قيل الفوارس ويك عنتر أقدم
ويقال :
وَيْكَأَنَّ
، كما في هذه الآية وقول سعيد بن زيد أو نبيه بن الحجاج السهمي :
ويكأنّ من يكن له نشب يح * بب ومن يفتقر يعش عيش ضرّ
فخفّف ( أن ) وكتبوها متصلة لأنها جرت على الألسن كذلك في كثير الكلام فلم يتحققوا أصل تركيبها وكان القياس أن تكتب ( ويك ) مفصولة عن ( أن ) وقد وجدوها مكتوبة مفصولة في بيت سعيد بن زيد . وذهب الخليل ويونس وسيبويه والجوهري والزمخشري إلى أنها مركبة من كلمتين ( وي ) و ( كأن ) التي للتشبيه . والمعنى : التعجب من الأمر وأنه يشبه أن يكون كذا والتشبيه مستعمل في الظن واليقين . والمعنى : أما تعجب كأن اللّه يبسط الرزق .
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 115 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور