تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 226

مساهمون:

ص٢٢٦
معنى البركة في قوله تعالى :
لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً
في آل عمران [ 96 ] ، وقوله
وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ
في سورة هود [ 48 ] . و ( أن ) تفسيرية لفعل
نُودِيَ
لأن فيه معنى القول دون حروفه ، أي نودي بهذا الكلام . و
مَنْ فِي النَّارِ
مراد به موسى فإنه لما حل في موضع النور صار محيطا به فتلك الإحاطة تشبه إحاطة الظرف بالمظروف ، فعبر عنه ب
مَنْ فِي النَّارِ
وهو نفسه . والعدول عن ذكره بضمير الخطاب كما هو مقتضى الظاهر ، أو باسمه العلم إن أريد العدول عن مقتضى الظاهر ، لأن في معنى صلة الموصول إيناسا له وتلطفا كقول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لعليّ « قم أبا تراب » وكثير التلطف بذكر بعض ما التبس به المتلطّف به من أحواله . وهذا الكلام خبر هو بشارة لموسى عليه السلام ببركة النبوءة . ومن حول النار : هو جبريل الذي أرسل إليه بما نودي به والملائكة الذين وكل إليهم إنارة المكان وتقديسه إن كان النداء بغير واسطة جبريل بل كان من لدن اللّه تعالى . فهذا التبريك تبريك ذوات لا تبريك مكان بدليل ذكر
مَنْ
الموصولة في الموضعين ، وهو تبريك الاصطفاء الإلهي بالكرامة . وقيل إن قوله
أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ
إنشاء تحية من اللّه تعالى إلى موسى عليه السلام كما كانت تحية الملائكة لإبراهيم
رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ
[ هود : 73 ] أي أهل هذا البيت الذي نحن فيه . و
سُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
عطف على ما نودي به موسى على صريح معناه إخبارا بتنزيه اللّه تعالى عما لا يليق بإلهيته من أحوال المحدثات ليعلم موسى أمرين : أحدهما أن النداء وحي من اللّه تعالى ، والثاني أن اللّه منزه عما عسى أن يخطر بالبال أن جلالته في ذلك المكان . ويجوز أن يكون
سُبْحانَ اللَّهِ
مستعملا للتعجيب من ذلك المشهد وأنه أمر عظيم من أمر اللّه تعالى وعنايته يقتضي تذكّر تنزيهه وتقديسه . وفي حذف متعلق التنزيه إيذان بالعموم المناسب لمصدر التنزيه وهو عموم الأشياء التي لا يليق إثباتها للّه تعالى وإنما يعلم تفصيلها بالأدلة العقلية والشرعية . فالمعنى : ونزّه اللّه تنزيها عن كل ما لا يليق به ، ومن أول تلك الأشياء تنزيهه عن أن يكون حالا في ذلك المكان . وإرداف اسم الجلالة بوصف
رَبِّ الْعالَمِينَ
فيه معنى التعليل للتنزيه عن شؤون المحدثات لأنه رب العالمين فلا يشبه شأنه تعالى شؤونهم .
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 226 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور