الحكيم العليم كأنه قيل : من حكيم أيّ حكيم ، وعليم أيّ عليم .
وفي الوصفين الشريفين مناسبة للمعطوف عليه وللممهّد إليه ، فإن ما في القرآن دليل على حكمة وعلم من أوحى به ، وأن ما يذكر هنا من القصص وما يستخلص منها من المغازي والأمثال والموعظة ، من آثار حكمة وعلم حكيم عليم ، وكذلك ما في ذلك من تثبيت فؤاد الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم .
[ 7 ]
[ سورة النمل ( 27 ) : آية 7 ]
إِذْ قالَ مُوسى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ ناراً سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ ( 7 )
قال الزجاج والزمخشري وغيرهما : انتصب
إِذْ
بفعل مضمر تقديره : اذكر ، أي أن
إِذْ
مجرد عن الظرفية مستعمل بمعنى مطلق الوقت ، ونصبه على المفعول به ، أي اذكر قصة زمن قال موسى لأهله ، يعني أنه جار على طريقة
وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً
[ البقرة : 30 ] .
فالجملة استئناف ابتدائي . ومناسبة موقعها إفادة تنظير تلقي النبي صلّى اللّه عليه وسلّم القرآن بتلقّي موسى عليه السلام كلام اللّه إذ نودي
يا مُوسى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
[ النمل : 9 ] .
وذلك من بديع التخلص إلى ذكر قصص هؤلاء الأنبياء عقب التنويه بالقرآن ، وأنه من لدن حكيم عليم . والمعنى : أن اللّه يقصّ عليك من أنباء الرسل ما فيه مثل لك ولقومك وما يثبت به فؤادك .
وفي ذلك انتقال لنوع آخر من الإعجاز وهو الإخبار عن المغيبات وهو ما عددناه في الجهة الرابعة من جهات إعجاز القرآن في المقدمة العاشرة من المقدمات .
وجملة :
قالَ مُوسى لِأَهْلِهِ
إلى آخرها تمهيد لجملة
فَلَمَّا جاءَها نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ
[ النمل : 8 ] إلخ . وزمان قول موسى لأهله هذه المقالة هو وقت اجتلابه للمبادرة بالوحي إليه . فهذه القصة مثل ضربه اللّه لحال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مع قومه ، ابتدئت بما تقدم رسالة موسى من الأحوال إدماجا للقصة في الموعظة .
والأهل : مراد به زوجه ، ولم يكن معه إلا زوجه وابنان صغيران . والمخاطب بالقول زوجه ، ويكنى عن الزوجة بالأهل .
وفي الحديث : « واللّه ما علمت على أهلي إلا خيرا »
. ولم تظهر النار إلا لموسى دون غيره من أهله لأنها لم تكن نارا معتادة ، لكنها من