تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 153

مساهمون:

ص١٥٣
الأظهر أن الموصول في موضع نعت ل
رَبَّ الْعالَمِينَ
[ الشعراء : 77 ] وأنّ
فَهُوَ يَهْدِينِ
عطف على الصلة مفرع عليه لأنه إذا كان هو الخالق فهو الأولى بتدبير مخلوقاته دون أن يتولّاها غيره . ويجوز أن يكون الموصول مبتدأ مستأنفا به ويكون
فَهُوَ يَهْدِينِ
خبرا عن
الَّذِي
. وزيدت الفاء في الخبر لمشابهة الموصول للشرط . وعلى الاحتمالين ففي الموصولية إيماء إلى وجه بناء الخبر وهو الاستدراك بالاستثناء الذي في قوله :
إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ
[ الشعراء : 77 ] ، أي ذلك هو الذي أخلص له لأنه خلقني كقوله في الآية الأخرى :
إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
[ الأنعام : 79 ] . وتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي في قوله :
فَهُوَ يَهْدِينِ
دون أن يقول : فيهدين ، لتخصيصه بأنه متولي الهداية دون غيره لأن المقام لإبطال اعتقادهم تصرف أصنامهم بالقصر الإضافي ، وهو قصر قلب . وليس الضمير ضمير فصل لأن ضمير الفصل لا يقع بعد العاطف . والتعبير بالمضارع في قوله :
يَهْدِينِ
لأن الهداية متجددة له . وجعل فعل الهداية مفرّعا بالفاء على فعل الخلق لأنه معاقب له لأن الهداية بهذا المعنى من مقتضى الخلق لأنها ناشئة عن خلق العقل كما قال تعالى :
الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى
[ طه : 50 ] . والمراد بالهداية الدلالة على طرق العلم كما في قوله تعالى :
وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ
[ البلد : 10 ] فيكون المعنى : الذي خلقني جسدا وعقلا . ومن الهداية المذكورة دفع وساوس الباطل عن العقل حتى يكون إعمال النظر معصوما من الخطأ . والقول في تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي في قوله :
وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ
، وقوله :
فَهُوَ يَشْفِينِ
كالقول في سابقهما للرد على زعمهم أن الأصنام تقدر لهم تيسير ما يأكلون وما يشربون وبها برؤهم إذا مرضوا ، وليسا بضميري فصل أيضا . وعطف
إِذا مَرِضْتُ
على
يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ
لأنه لم يكن حين قال ذلك مريضا فإن
إِذا
تخلص الفعل بعدها للمستقبل ، أي إذا طرأ عليّ مرض . وفي إسناده فعل المرض إلى نفسه تأدب مع اللّه راعى فيه الإسناد إلى الأسباب الظاهرة في مقام الأدب ، فأسند إحداث المرض إلى ذاته ولأنه المتسبب فيه ، فأما قوله :
وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ
فلم يأت فيه بما يقتضي الحصر لأنهم لم يكونوا يزعمون أن الأصنام تميت بل عمل الأصنام قاصر على الإعانة أو الإعاقة في أعمال الناس في حياتهم . فأما الموت فهو من فعل الدهر والطبيعة إن كانوا دهريين وإن كانوا يعلمون أن