تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 151

مساهمون:

ص١٥١
و
بَلْ
في حكاية جواب القوم لإضراب الانتقال من مقام إثبات صفاتهم إلى مقام قاطع للمجادلة في نظرهم وهو أنهم ورثوا عبادة هذه الأصنام ، فلما طووا بساط المجادلة في صفات آلهتهم وانتقلوا إلى دليل التقليد تفاديا من كلفة النظر والاستدلال بالمصير إلى الاستدلال بالاقتداء بالسلف . وقوله :
كَذلِكَ يَفْعَلُونَ
تشبيه فعل الآباء بفعلهم وهو نعت لمصدر محذوف ، والتقدير : يفعلون فعلا كذلك الفعل . وقدم الجار والمجرور على
يَفْعَلُونَ
للاهتمام بمدلول اسم الإشارة . واقتصر إبراهيم في هذا المقام ( الذي رجحنا أنه أول مقام قام فيه للدعوة ) على أن أظهر قلة اكتراثه بهذه الأصنام فقال :
فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي
لأنه أيقن بأن سلامته بعد ذلك تدل على أن الأصنام لا تضرّ وإلّا لضرّته لأنه عدوّها . وضمير
فَإِنَّهُمْ
عائد إلى
ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ
. وقوله :
وَآباؤُكُمُ
عطف على اسم
كُنْتُمْ
. والعدوّ : مشتق من العدوان ، وهو الإضرار بالفعل أو القول . والعدوّ : المبغض ، فعدوّ : فعول بمعنى فاعل يلازم الإفراد والتذكير فلا تلحقه علامات التأنيث ( إلا نادرا كقول عمر لنساء من الأنصار : يا عدوات أنفسهن ) . قال في « الكشاف » : حملا على المصدر الذي على وزن فعول كالقبول والولوع . والأصنام لا إدراك لها فلا توصف بالعداوة . ولذلك فقوله
فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي
من قبيل التشبيه البليغ ، أي هم كالعدوّ لي في أني أبغضهم وأضرهم . وهذا قريب من قوله تعالى :
إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا
[ فاطر : 6 ] أي عاملوه معاملة العدوّ عدوّه . وبهذا الاعتبار جمع بني قوله
لَكُمْ عَدُوٌّ
[ فاطر : 6 ] وقوله :
فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا
[ فاطر : 6 ] . والتعبير عن الأصنام بضمير جمع العقلاء في قوله :
فَإِنَّهُمْ
دون ( فإنّها ) جري على غالب العبارات الجارية بينهم عن الأصنام لأنهم يعتقدونها مدركة . وجملة :
أَ فَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ
مفرّعة على جمل كلام القوم المتضمنة عبادتهم الأصنام وأنهم مقتدون في ذلك بآبائهم . فالفاء في
أَ فَرَأَيْتُمْ
للتفريع وقدم عليها همزة الاستفهام اتّباعا للاستعمال المعروف وهو صدارة أدوات الاستفهام . وفعل الرؤية قلبي . ومثل هذا التركيب يستعمل في التنبيه على ما يجب أن يعلم على إرادة التعجيب مما يعلم من شأنه . ولذلك كثر إردافه بكلام يشير إلى شيء من عجائب أحوال مفعول الرؤية كقوله تعالى :
أَ فَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى وَأَعْطى قَلِيلًا
[ النجم : 33 ، 34 ] الآية ، ومنه تعقيب قوله
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 151 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور