تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 143

مساهمون:

ص١٤٣
والشرذمة : الطائفة القليلة من الناس ، هكذا فسره المحققون من أئمة اللغة ، فإتباعه بوصف
قَلِيلُونَ
للتأكيد لدفع احتمال استعمالها في تحقير الشأن أو بالنسبة إلى جنود فرعون ، فقد كان عدد بني إسرائيل الذين خرجوا ستمائة ألف ، هكذا قال المفسرون ، وهو موافق لما في سفر العدد من التوراة في الإصحاح السادس والعشرين . و
قَلِيلُونَ
خبر ثان عن اسم الإشارة ، فهو وصف في المعنى لمدلول
هؤُلاءِ
وليس وصفا لشرذمة ولكنه مؤكد لمعناها ، ولهذا جيء به بصيغة جمع السلامة الذي هو ليس من جموع الكثرة . و ( قليل ) إذا وصف به يجوز مطابقته لموصوفه كما هنا ، ويجوز ملازمته الإفراد والتذكير كما قال السموأل أو الحارثي : وما ضرّنا أنا قليل . . . البيت ونظيره في ذلك لفظ ( كثير ) وقد جمعهما قوله تعالى :
إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ
[ الأنفال : 43 ] . و « غائظون » اسم فاعل من غاظه الذي هو بمعنى أغاظه ، أي جعله ذا غيظ . والغيظ : أشد الغضب . وتقدم في قوله تعالى :
عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ
في آل عمران [ 119 ] ، وقوله :
وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ
في سورة براءة [ 15 ] ، أي وأنهم فاعلون ما يغضبنا . واللام في قوله :
لَنا
لام التقوية واللام في
لَغائِظُونَ
لام الابتداء ، وتقديم
لَنا
على
لَغائِظُونَ
للرعاية على الفاصلة . وقوله :
وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ
حثّ لأهل المدائن على أن يكونوا حذرين على أبلغ وجه إذ جعل نفسه معهم في ذلك بقوله :
لَجَمِيعٌ
وذلك كناية عن وجوب الاقتداء به في سياسة المملكة ، أي إنا كلّنا حذرون ، فجميع وقع مبتدأ وخبره
حاذِرُونَ
، والجملة خبر إن ، و ( جميع ) بمعنى : ( كل ) كقوله تعالى :
إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً
في سورة يونس [ 4 ] . و
حاذِرُونَ
قرأه الجمهور بدون ألف بعد الحاء فهو جمع حذر وهو من أمثلة المبالغة عند سيبويه والمحققين . وقرأ حمزة وعاصم والكسائي وابن ذكوان عن ابن عامر وخلف بألف بعد الحاء جمع ( حاذر ) بصيغة اسم الفاعل . والمعنى : أن الحذر من شيمته