تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 13

مساهمون:

ص١٣
انتقال من ذكر كفرهم في أفعالهم إلى ذكر كفرهم بأقوالهم الباطلة . والإظهار هنا لإفادة أن مضمون الصلة هو علة قولهم هذا ، أي ما جرأهم على هذا البهتان إلا إشراكهم وتصلبهم فيه ، وليس ذلك لشبهة تبعثهم على هذه المقالة لانتفاء شبهة ذلك ، بخلاف ما حكي آنفا من كفرهم باللّه فإنهم تلقوه من آبائهم ، فالوصف الذي أجري عليهم هنا مناسب لمقالتهم لأنها أصل كفرهم . وهذه الجملة مقابلة جملة :
تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ
[ الفرقان : 1 ] فهي المقصود من افتتاح الكلام كما آذنت بذلك فاتحة السورة . وإنما أخرت هذه الجملة التي تقابل الجملة الأولى مع أن مقتضى ظاهر المقابلة أن تذكر هذه الجملة قبل جملة :
وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً
[ الفرقان : 3 ] اهتماما بإبطال الكفر المتعلق بصفات اللّه كما تقدم آنفا . والقصر المشتمل عليه كلامهم المستفاد من ( إن ) النافية و ( إلّا ) قصر قلب ؛ زعموا به رد دعوى أن القرآن منزل من عند اللّه . وممن قال هذه المقابلة النضر بن الحارث ، وعبد اللّه بن أمية ، ونوفل بن خويلد . فإسناد هذا القول إلى جميع الكفار لأنه واقع بين ظهرانيهم وكلهم يتناقلونه . وهذه طريقة مألوفة في نسبة أمر إلى القبيلة كما يقال : بنو أسد قتلوا حجرا . واسم الإشارة إلى القرآن حكاية لقولهم حين يسمعون آيات القرآن . والضمير المرفوع في
افْتَراهُ
عائد إلى الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم المعلوم من قوله :
عَلى عَبْدِهِ
[ الفرقان : 1 ] . والإفك : الكذب . وتقدم عند قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ
في سورة النور [ 11 ] . والافتراء : اختلاق الأخبار ، أي ابتكارها وهو الكذب عن عمد ، وتقدم في قوله :
وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ
في سورة العقود [ 103 ] .
وَأَعانَهُ عَلَيْهِ
أي على ما يقوله من القرآن قوم آخرون لقنوه بعض ما يقوله ، وأرادوا بالقوم الآخرين اليهود . روي هذا التفسير عن مجاهد وعن ابن عباس : أشاروا إلى عبيد أربعة كانوا للعرب من الفرس وهم : عدّاس مولى حويطب بن عبد العزى ، ويسار أبو