لأن الإفراد أخف في الكلام لكثرة دورانه .
[ 7 - 9 ]
[ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 7 إلى 9 ]
أَ وَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ ( 7 ) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ( 8 ) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ( 9 )
الواو عاطفة على جملة :
وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ
[ الشعراء : 5 ] ؛ فالهمزة الاستفهامية منه مقدمة على واو العطف لفظا لأن للاستفهام الصدارة ، والمقصود منه إقامة الحجة عليهم بأنهم لا تغني فيهم الآيات لأن المكابرة تصرفهم عن التأمل في الآيات ، والآيات على صحة ما يدعوهم إليه القرآن من التوحيد والإيمان بالبعث قائمة متظاهرة في السماوات والأرض وهم قد عموا عنها فأشركوا باللّه ، فلا عجب أن يضلوا عن آيات صدق الرسول عليه الصلاة والسلام ، وكون القرآن منزلا من اللّه فلو كان هؤلاء متطلعين إلى الحق باحثين عنه لكان لهم في الآيات التي ذكّروا بها مقنع لهم عن الآيات التي يقترحونها قال تعالى :
أَ وَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ
[ الأعراف : 185 ] ، وقال :
قُلِ انْظُرُوا ما ذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ
[ يونس : 101 ] أي عن قوم لم يعدوا أنفسهم للإيمان .
فالمذكور في هذه الآية أنواع النبات دالة على وحدانية اللّه لأن هذا الصنع الحكيم لا يصدر إلّا عن واحد لا شريك له . وهذا دليل من طريق العقل ، ودليل أيضا على إمكان البعث لأن الإنبات بعد الجفاف مثيل لإحياء الأموات بعد رفاتهم كما قال تعالى :
وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها
[ يس : 33 ] . وهذا دليل تقريبي للإمكان فكان في آية الإنبات تنبيه على إبطال أصلي عدم إيمانهم وهما : أصل الإشراك باللّه ، وأصل إنكار البعث .
والاستفهام إنكار على عدم رؤيتهم ذلك لأن دلالة الإنبات على الصانع الواحد دلالة بينة لكل من يراه ؛ فلما لم ينتفعوا بتلك الرؤية نزلت رؤيتهم منزلة العدم فأنكر عليهم ذلك . والمقصود : إنكار عدم الاستدلال به .
وجملة :
كَمْ أَنْبَتْنا
بدل اشتمال من جملة
يَرَوْا
فهي مصبّ الإنكار . وقوله :
إِلَى الْأَرْضِ
متعلق بفعل
يَرَوْا
، أي ألم ينظروا إلى الأرض وهي بمرأى منهم .
و
كَمْ
اسم دال على الكثرة ، وهي هنا خبرية منصوبة ب
أَنْبَتْنا
. والتقدير : أنبتنا فيها كثيرا من كل زوج كريم .