تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 115

مساهمون:

ص١١٥
فَسَيَأْتِيهِمْ
. و
ما
في قوله :
ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ
يجوز أن تكون موصولة فيجوز أن يكون ما صدقها القرآن وذلك كقوله تعالى :
وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُواً
[ البقرة : 231 ] . وجيء في صلته بفعل
يَسْتَهْزِؤُنَ
دون ( يكذّبون ) لتحصل فائدة الإخبار عنهم بأنهم كذّبوا به واستهزءوا به ، وتكون الباء في
بِهِ
لتعدية فعل
يَسْتَهْزِؤُنَ
، والضمير المجرور عائدا إلى
ما
الموصولة ، وأنباؤه أخباره بالوعيد . ويجوز أن يكون ما صدق
ما
جنس ما عرفوا باستهزائهم به وهو التوعّد ، كانوا يقولون : متى هذا الوعد ؟ ونحو ذلك . وإضافة
أَنْبؤُا
إلى
ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ
على هذا إضافة بيانية ، أي ما كانوا به يستهزءون الذي هو أنباء ما سيحلّ بهم . وجمع الأنباء على هذا باعتبار أنهم استهزءوا بأشياء كثيرة منها البعث ، ومنها العذاب في الدنيا ، ومنها نصر المسلمين عليهم
وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
[ يونس : 48 ] ، ومنها فتح مكة ، ومنها عذاب جهنم ، وشجرة الزقوم . وكان أبو جهل يقول : زقّمونا ، استهزاء . ويجوز كون
ما
مصدرية ، أي أنباء كون استهزائهم ، أي حصوله ، وضمير
بِهِ
عائدا إلى معلوم من المقام ، وهو القرآن أو الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم . والمراد بأنباء استهزائهم أنباء جزائه وعاقبته وهو ما توعدهم به القرآن في غير ما آية . والقول في إقحام فعل
كانُوا
هنا كالقول في إقحامه في قوله آنفا
كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ
[ الشعراء : 5 ] ولكن أوثر الإتيان بالفعل المضارع وهو
يَسْتَهْزِؤُنَ
دون اسم الفاعل كالذي في قوله :
كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ
لأن الاستهزاء يتجدد عند تجدد وعيدهم بالعذاب ، وأما الإعراض فمتمكّن منهم . ومعنى
فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبؤُا ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ
على الوجه الأول أن يكون الإتيان بمعنى التحقق كما في قوله :
أَتى أَمْرُ اللَّهِ
[ النحل : 1 ] ، أي تحقّق ، أي سوف تتحقّق أخبار الوعيد الذي توعدهم به القرآن الذي كانوا يستهزءون به . وعلى الوجه الثاني سوف تبلغهم أخبار استهزائهم بالقرآن ، أي أخبار العقاب على ذلك . وأوثر إفراد فعل « يأتيهم » مع أن فاعله جمع تكسير لغير مذكر حقيقي يجوز تأنيثه