تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 84

مساهمون:

ص٨٤
والمراد بالعذاب الشديد عذاب مستقبل . والأرجح : أن المراد به عذاب السيف يوم بدر . وعن مجاهد : أنه عذاب الجوع . وقيل : عذاب الآخرة . وعلى هذا الوجه يجوز أن يكون الباب حقيقة وهو باب من أبواب جهنم كقوله تعالى :
حَتَّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها
[ الزمر : 71 ] . والإبلاس : شدة اليأس من النجاة . يقال : أبلس ، إذا ذل ويئس من التخلص ، وهو ملازم للهمزة ولم يذكروا له فعلا مجردا . فالظاهر أنه مشتق من البلاس كسحاب وهو المسح ، وأن أصل أبلس صار ذا بلاس . وكان شعار من زهدوا في النعيم . يقال : لبس المسوح ، إذا ترهب . وهنا انتهت الجمل المعترضة المبتدأة بجملة
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ
[ المؤمنون : 23 ] وما تفرع عليها من قوله
فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ
[ المؤمنون : 54 ] إلى قوله
إِذا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ
[ 78 ]

[ سورة المؤمنون ( 23 ) : آية 78 ]

وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ ( 78 ) هذا رجوع إلى غرض الاستدلال على انفراد اللّه تعالى بصفات الإلهية والامتنان بما منح الناس من نعمة لعلهم يشكرون بتخصيصه بالعبادة ، وذلك قد انتقل عنه من قوله
وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ
[ المؤمنون : 22 ] فانتقل إلى الاعتبار بآية فلك نوح عليه السلام فأتبع بالاعتبار بقصص أقوام الرسل عقب قوله تعالى :
وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ
[ المؤمنون : 22 ] فالجملة إما معطوفة على جملة
وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً
[ المؤمنون : 21 ] والغرض واحد وما بينهما انتقالات . وإما مستأنفة رجوعا إلى غرض الاستدلال والامتنان وقد تقدمت الإشارة إلى هذا عند قوله تعالى :
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ
[ المؤمنون : 23 ] . وفي هذا الانتقال من أسلوب إلى أسلوب ثم الرجوع إلى الغرض تجديد لنشاط الذهن وتحريك للإصغاء إلى الكلام وهو من أساليب كلام العرب في خطبهم وطوالهم . وسماه السكاكي : قرى الأرواح . وجعله من آثار كرم العرب . وقوله :
وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ
تذكير بوحدانية اللّه تعالى . والأظهر أن يكون ضمير الجلالة مسندا واسم الموصول مسندا إليه لأنهم علموا أن