تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 83

مساهمون:

ص٨٣
ويبعد أن يكون
اسْتَكانُوا
استفعالا من الكون من جهتين : جهة مادته فإن معنى الكون فيه غير وجيه وجهة صيغته لأن حمل السين والتاء فيه على معنى الطلب غير واضح . والتعبير بالمضارع في
يَتَضَرَّعُونَ
لدلالته على تجدد انتفاء تضرعهم . والتضرع : الدعاء بتذلل ، وتقدم في قوله :
لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ
في سورة الأنعام [ 42 ] . والقول في جملة
حَتَّى إِذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً
كالقول في
حَتَّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذابِ
[ المؤمنون : 64 ] . و ( إذا ) من قوله
حَتَّى إِذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً
مثل ( إذا ) التي تقدمت في قوله
حَتَّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذابِ
إلخ . وفتح الباب تمثيل لمفاجأتهم بالعذاب بعد أن كان محجوزا عنه حسب قوله تعالى :
وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ
[ الأنفال : 33 ] . وقريب من هذا التمثيل قوله تعالى
وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطارِها
[ الأحزاب : 14 ] . شبهت هيئة إصابتهم بالعذاب بعد أن كانوا في سلامة وعافية بهيئة ناس في بيت مغلق عليهم ففتح عليهم باب البيت من عدو مكروه ، أو تقول : شبهت هيئة تسليط العذاب عليهم بهيئة فتح باب اختزن فيه العذاب فلما فتح الباب انهال العذاب عليهم . وهذا كما مثل بقوله :
وَفارَ التَّنُّورُ *
[ هود : 40 ] وقولهم : طفحت الكأس بأعمال فلان ، وقوله تعالى :
فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوباً مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحابِهِمْ
[ الذاريات : 59 ] وقول علقمة : فحقّ لشأس من نداك ذنوب ومنه قول الكتّاب : فتح باب كذا على مصراعيه ، تمثيلا لكثرة ذلك وأفاض عليه سجلا من الإحسان ، وقول أبي تمام :
من شاعر وقف الكلام ببابه * واكتن في كنفي ذراه المنطق
ووصف
باباً
بكونه
ذا عَذابٍ شَدِيدٍ
دون أن يضاف باب إلى عذاب فيقال : باب عذاب كما قال تعالى :
فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ
[ الفجر : 13 ] لأن
ذا عَذابٍ
يفيد من شدة انتساب العذاب إلى الباب ما لا تفيده إضافة باب إلى عذاب ، وليتأتى بذلك وصف ( عذاب ) ب ( شديد ) بخلاف قوله
سَوْطَ عَذابٍ
فقد استغني عن وصفه ب ( شديد ) بأنه معمول لفعل ( صب ) الدال على الوفرة .
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 83 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور