تذكر رسالته لأن معجزة تخليقه دالة على صدق رسالته . وأما قوله
وَأُمَّهُ
فهو إدماج لتسفيه اليهود فيما رموا به مريم عليها السلام فإن ما جعله اللّه آية لها ولابنها جعلوه مطعنا ومغمزا فيهما .
وتنكير
آيَةً
للتعظيم لأنها آية تحتوي على آيات . ولما كان مجموعها دالا على صدق عيسى في رسالته جعل مجموعها آية عظيمة على صدقه كما علمت .
وأما قوله :
وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ
فهو تنويه بهما إذ جعلهما اللّه محل عنايته ومظهر قدرته ولطفه .
والإيواء : جعل الغير آويا ، أي ساكنا . وتقدم عند قوله :
أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ
في سورة هود [ 80 ] وعند قوله :
سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ
في سورة هود [ 43 ] .
والربوة بضم الراء : المرتفع من الأرض . ويجوز في الراء الحركات الثلاث . وتقدم في قوله تعالى :
كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ
في البقرة [ 265 ] . والمراد بهذا الإيواء وحي اللّه لمريم أن تنفرد بربوة حين اقترب مخاضها لتلد عيسى في منعزل من الناس حفظا لعيسى من أذاهم .
والقرار : المكث في المكان ، أي هي صالحة لأن تكون قرارا ، فأضيفت الربوة إلى المعنى الحاصل فيها لأدنى ملابسة وذلك بما اشتملت عليه من النخيل المثمر فتكون في ظله ولا تحتاج إلى طلب قوتها .
والمعين : الماء الظاهر الجاري على وجه الأرض ، وهو وصف جرى على موصوف محذوف ، أي ماء معين ، لدلالة الوصف عليه كقوله :
حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ
[ الحاقة : 11 ] .
وهذا في معنى قوله في سورة مريم [ 24 - 26 ]
قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً
.
[ 51 ]
[ سورة المؤمنون ( 23 ) : آية 51 ]
يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ( 51 )
يتعيّن تقدير قول محذوف اكتفاء بالمقول ، وهو استئناف ابتدائي ، أي قلنا : يا أيها الرسل كلوا . والمحكي هنا حكي بالمعنى لأن الخطاب المذكور هنا لم يكن موجها للرسل في وقت واحد بضرورة اختلاف عصورهم . فالتقدير : قلنا لكل رسول ممّن مضى ذكرهم