ولكون هذا مما قد يغيب عن الألباب نزّل منزلة الشيء المتردد فيه فأكد ب
إِنَّ
المخفّفة وبفعل
كُنَّا
.
واللام هي الفارقة بين ( إن ) المؤكدة المخففة عند إهمال عملها وبين ( إن ) النافية .
[ 31 ، 32 ]
[ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 31 إلى 32 ]
ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ ( 31 ) فَأَرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَ فَلا تَتَّقُونَ ( 32 )
تعقيب قصة نوح وقومه بقصة رسول آخر ، أي أخرى ، وما بعدها من القصص يراد منه أن ما أصاب قوم نوح على تكذيبهم له لم يكن صدفة ولكنه سنة اللّه في المكذبين لرسله ولذلك لم يعيّن القرن ولا القرون بأسمائهم .
والقرن : الأمة . والأظهر أن المراد به هنا ثمود لأنه الذي يناسبه قوله في آخر القصة
فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ
[ المؤمنون : 41 ] ، لأن ثمود أهلكوا بالصاعقة ولقوله
قالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ
[ المؤمنون : 40 ] مع قوله في سورة الحجر [ 83 ]
فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ
فكان هلاكهم في الصباح . ولعل تخصيصهم بالذكر هنا دون عاد خلافا لما تكرر في غير هذه الآية لأن العبرة بحالهم أظهر لبقاء آثار ديارهم بالحجر كما قال تعالى :
وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وَبِاللَّيْلِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ
[ الصافات : 137 ، 138 ] .
وقوله
فَأَرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولًا
أي جعل الرسول بينهم وهو منهم ، أي من قبيلتهم .
وضمير الجمع عائد إلى
قَرْناً
لأنه في تأويل ( الناس ) كقوله
وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا
[ الحجرات : 9 ] .
وعدّي فعل
فَأَرْسَلْنا
ب ( في ) دون ( إلى ) لإفادة أن الرسول كان منهم ونشأ فيهم لأن القرن لما لم يعين باسم حتى يعرف أن رسولهم منهم أو واردا إليهم مثل لوط لأهل ( سدوم ) ، ويونس لأهل ( نينوى ) ، وموسى للقبط . وكان التنبيه على أن رسولهم منهم مقصودا إتماما للمماثلة بين حالهم وحال الذين أرسل إليهم محمد صلى اللّه عليه وسلّم . وكلام رسولهم مثل كلام نوح .
و ( أن ) تفسير لما تضمنه أرسلنا من معنى القول .
[ 33 - 38 ]