تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 231

مساهمون:

ص٢٣١
وجملة :
لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً
حال من ضمير الرفع في
يَعْبُدُونَنِي
تقييدا للعبادة بهذه الحالة لأن المشركين قد يعبدون اللّه ولكنهم يشركون معه غيره . وفي هاتين الجملتين ما يؤيد ما قدمناه آنفا من كون الإيمان هو الشريطة في كفالة اللّه للأمة هذا الوعد . وجملة :
وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ
تحذير بعد البشارة على عادة القرآن في تعقيب البشارة بالنذارة والعكس دفعا للاتكال . والإشارة في قوله :
بَعْدَ ذلِكَ
إلى الإيمان المعبر عنه هنا ب
يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً
والمعبر عنه في أول الآيات بقوله :
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا
، أي ومن كفر بعد الإيمان وما حصل له من البشارة عليه فهم الفاسقون عن الحق . وصيغة الحصر المأخوذة من تعريف المسند بلام الجنس مستعملة مبالغة للدلالة على أنه الفسق الكامل . ووصف الفاسقين له رشيق الموقع ، لأن مادة الفسق تدل على الخروج من المكان من منفذ ضيق . [ 56 ]

[ سورة النور ( 24 ) : آية 56 ]

وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ( 56 ) عطف على جملة :
يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً
[ النور : 55 ] لما فيها من معنى الأمر بترك الشرك ، فكأنه قيل : اعبدوني ولا تشركوا وأقيموا الصلاة ، لأن الخبر إذا كان يتضمن معنى الأمر كان في قوة فعل الأمر حتى أنه قد يجزم جوابه كما في قوله تعالى :
تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ
إلى قوله :
يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ
[ الصفّ : 11 - 12 ] بجزم
يَغْفِرْ
لأن قوله :
تُؤْمِنُونَ
في قوة أن يقول : آمنوا باللّه . والخطاب موجه للذين آمنوا خاصة بعد أن كان موجها لأمة الدعوة على حد قوله تعالى :
يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ
[ يوسف : 29 ] ، فالطاعة المأمور بها هنا غير الطاعة التي في قوله :
قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا
[ النور : 54 ] إلخ لأن تلك دعوة للمعرضين وهذه ازدياد للمؤمنين . وقد جمعت هذه الآية جميع الأعمال الصالحات فأهمها بالتصريح وسائرها بعموم حذف المتعلق بقوله :
وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ
أي في كل ما يأمركم وينهاكم . ورتب على ذلك رجاء حصول الرحمة لهم ، أي في الدنيا بتحقيق الوعد الذي من
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 231 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور