تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 186

مساهمون:

ص١٨٦
الأشياء كلها عن ظلمة العدم إلى ظهور الوجود فآل إلى ما يستلزمه اسم النور من معنى الإظهار والتبيين في الخلق والإرشاد والتشريع وتبعه ابن برّجان الإشبيلي « 1 » في « شرح الأسماء الحسنى » فقال : إن اسمه النور آل إلى صفات الأفعال ا ه . أما وصف النور هنا فيتعين أن يكون ملائما لما قبل الآية من قوله :
لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ
[ النور : 34 ] وما بعدها من قوله :
مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ
إلى قوله :
يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ
وقوله عقب ذلك :
وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ
[ النور : 40 ] . وقد أشرنا آنفا إلى أن للنور إطلاقات كثيرة وإضافات أخرى صالحة لأن تكون مرادا من وصفه تعالى بالنور . وقد ورد في مواضع من القرآن والحديث فيحمل الإطلاق في كل مقام على ما يليق بسياق الكلام ولا يطرد ذلك على منوال واحد حيثما وقع ، كما في قول النبي صلى اللّه عليه وسلّم : « ولك الحمد أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن » فإن عطف « من فيهن » يؤذن بأن المراد ب « السماوات والأرض » ذاتهما لا الموجودات التي فيهما فيتعين أن يراد بالنور هنالك إفاضة الوجود المعبر عنه بالفتق في قوله تعالى :
كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما
[ الأنبياء : 30 ] . والمعنى : أنه بقدرته تعالى استقامت أمورهما . والتزم حكماء الإشراق من المسلمين وصوفية الحكماء معاني من إطلاقات النور . وأشهرها ثلاثة : البرهان العلمي ، والكمال النفساني ، وما به مشاهدة النورانيات من العوالم . وإلى ثلاثتها أشار شهاب الدين يحيى السهروردي في أول كتابه « هياكل النور » بقوله : « يا قيوم أيّدنا بالنور وثبتنا على النور واحشرنا إلى النور » كما بينه جلال الدين الدواني في « شرحه » . ونلحق بهذه المعاني اطلاق النور على الإرشاد إلى الأعمال الصالحة وهو الهدي . وقد ورد في آيات من القرآن إطلاق النور على ما هو أعم من الهدي كما في قوله تعالى :
إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ
[ المائدة : 44 ] وقوله :
قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ
[ الأنعام : 91 ] فعطف أحد اللفظين على الآخر مشعر بالمغايرة بينهما . وليس شيء من معاني لفظ النور الوارد في هذه الآيات بصالح لأن يكون هو الذي جعل وصفا للّه تعالى لا حقيقة ولا مجازا فتعين أن لفظ ( نور ) في قوله :
مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ
غير المراد بلفظ نور في قوله :
اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
فالنور لفظ
هامش
( 1 ) برّجان - بضم الموحدة وتشديد الراء المفتوحة بعدها جيم - .