تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 17

مساهمون:

ص١٧
وذكرت حفظ الفرج ، وفي ذلك خلق مقاومة اطراد الشهوة الغريزية بتعديلها وضبطها والترفع بها عن حضيض مشابهة البهائم فمن تخلق بذلك فقد صار كبح الشهوة ملكة له وخلقا . وذكرت أداء الأمانة وهو مظهر للإنصاف وإعطاء ذي الحق حقه ومغالبة شهوة النفس لأمتعة الدنيا . وذكرت الوفاء بالعهد وهو مظهر لخلق العدل في المعاملة والإنصاف من النفس بأن يبذل لأخيه ما يحب لنفسه من الوفاء . وذكرت المحافظة على الصلوات وهو التخلق بالعناية بالوقوف عند الحدود والمواقيت وذلك يجعل انتظام أمر الحياتين ملكة وخلقا راسخا . وأنت إذا تأملت هذه الخصال وجدتها ترجع إلى حفظ ما من شأن النفوس إهماله مثل الصلاة والخشوع وترك اللغو وحفظ الفرج وحفظ العهد ، وإلى بذل ما من شأن النفوس إمساكه مثل الصدقة وأداء الأمانة . فكان في مجموع ذلك أعمال ملكتي الفعل والترك في المهمات ، وهما منبع الأخلاق الفاضلة لمن تتبعها . روى النسائي : أن عائشة قيل لها : كيف كان خلق رسول اللّه ؟ قالت : كان خلقه القرآن . وقرأت :
قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ
[ المؤمنون : 1 ] حتى انتهت إلى قوله :
وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ
. وقد كان خلق أهل الجاهليّة على العكس من هذا ، فيما عدا حفظ العهد غالبا ، قال تعالى :
وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكاءً وَتَصْدِيَةً
[ الأنفال : 35 ] ، وقال في شأن المؤمنين مع الكافرين
وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ
[ القصص : 55 ] ، وقال :
وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ
[ فصلت : 6 ، 7 ] ، وقد كان البغاء والزنى فاشيين في الجاهليّة . [ 10 ، 11 ]

[ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 10 إلى 11 ]

أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ ( 10 ) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( 11 ) جيء لهم باسم الإشارة بعد أن أجريت عليهم الصفات المتقدمة ليفيد اسم الإشارة
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 17 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور