لأن ذكر الصلاة هنالك جاء تبعا للخشوع فأريد ختم صفات مدحهم بصفة محافظتهم على الصلوات ليكون لهذه الخصلة كمال الاستقرار في الذهن لأنها آخر ما قرع السمع من هذه الصفات .
وقد حصل بذلك تكرير ذكر الصلاة تنويها بها ، وردا للعجز على الصدر تحسينا للكلام الذي ذكرت فيه تلك الصفات لتزداد النفس قبولا لسماعها ووعيها فتتأسى بها .
والقول في إعادة الموصول وتقديم المعمول وإضافة الصلوات إلى ضميرهم مثل القول في نظيره ونظائره .
وقرأ الجمهور
عَلى صَلَواتِهِمْ
بصيغة الجمع ، وقرأه حمزة والكسائي وخلف على صلاتهم بالإفراد .
وقد جمعت هذه الآية أصول التقوى الشرعية لأنها أتت على أعسر ما تراض له النفس من أعمال القلب والجوارح .
فجاءت بوصف الإيمان وهو أساس التقوى لقوله تعالى :
ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا
[ البلد : 17 ] وقوله :
وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً
[ النور : 39 ] .
ثم ذكرت الصلاة وهي عماد التقوى والتي تنهى عن الفحشاء والمنكر لما فيها من تكرر استحضار الوقوف بين يدي اللّه ومناجاته .
وذكرت الخشوع وهو تمام الطاعة لأن المرء قد يعمل الطاعة للخروج من عهدة التكليف غير مستحضر خشوعا لربه الذي كلفه بالأعمال الصالحة ، فإذا تخلق المؤمن بالخشوع اشتدت مراقبته ربّه فامتثل واجتنب . فهذان من أعمال القلب .
وذكرت الإعراض عن اللغو ، واللغو من سوء الخلق المتعلق باللسان الذي يعسر إمساكه فإذا تخلق المؤمن بالإعراض عن اللغو فقد سهل عليه ما هو دون ذلك . وفي الإعراض عن اللغو خلق للسمع أيضا كما علمت .
وذكرت إعطاء الصدقات وفي ذلك مقاومة داء الشح
وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ *
[ التغابن : 16 ] .