تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 56

مساهمون:

ص٥٦
وإما مضارع أصحبه المهموز بمعنى حفظه ومنعه ، أي من السوء . والإشارة ب
هؤُلاءِ
لحاضرين في الأذهان وهم كفار قريش . وقد استقريت أن القرآن إذا ذكرت فيه هذه الإشارة دون وجود مشار إليه في الكلام فهو يعني بها كفار قريش .
أَ فَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها أَ فَهُمُ الْغالِبُونَ
تقريع على إحالتهم نصر المسلمين وعدّهم تأخير الوعد به دليلا على تكذيب وقوعه حتى قالوا :
مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
[ الأنبياء : 38 ] تهكما وتكذيبا . فلما أنذرهم بما سيحل بهم في قوله تعالى :
لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ
إلى قوله تعالى :
ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ
[ الأنبياء : 39 - 41 ] فرّع على ذلك كله استفهاما تعجيبيا من عدم اهتدائهم إلى أمارات اقتران الوعد بالموعود استدلالا على قربه بحصول أماراته . والرؤية علمية ، وسدت الجملة مسدّ المفعولين لأنها في تأويل مصدر ، أي أعجبوا من عدم اهتدائهم إلى نقصان أرضهم من أطرافها ، وأن ذلك من صنع اللّه تعالى بتوجه عناية خاصة ، لكونه غير جار على مقتضى الغالب المعتاد ، فمن تأمّل علم أنه من عجيب صنع اللّه تعالى ، وكفى بذلك دليلا على تصديق الرسول صلى اللّه عليه وسلم وعلى صدق ما وعدهم به وعناية ربه به كما دلّ عليه فعل
نَأْتِي
. فالإتيان تمثيل بحال الغازي الذي يسعى إلى أرض قوم فيقتل ويأسر كما تقدم في قوله تعالى :
فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ
[ النحل : 26 ] . والتعريف في
الْأَرْضَ
تعريف العهد ، أي أرض العرب كما في قوله تعالى في [ سورة يوسف : 80 ]
فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ
أي أرض مصر . والنقصان : تقليل كمية شيء . والأطراف : جمع طرف - بفتح الطاء والراء - . وهو ما ينتهي به الجسم من جهة من جهاته ، وضده الوسط . والمراد بنقصان الأرض : نقصان من عليها من الناس لا نقصان مساحتها لأن هذه السورة مكية فلم يكن ساعتئذ شيء من أرض المشركين في حوزة المسلمين ، والقرينة