تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 236

مساهمون:

ص٢٣٦
رَزَقَهُمْ
[ الحج : 34 ] الآية . وقد فصل بين الكلامين ما اقتضى الحال استطراده من قوله :
وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا
[ الحج : 37 - 38 ] إلى هنا ، فعاد الكلام إلى الغرض الذي في قوله :
وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ
[ الحج : 34 ] الآية ليبنى عليه قوله :
فَلا يُنازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ
. فهذا استدلال على توحيد اللّه تعالى بما سبق من الشرائع لقصد إبطال تعدد الآلهة ، بأن اللّه ما جعل لأهل كلّ ملة سبقت إلا منسكا واحدا يتقرّبون فيه إلى اللّه لأنّ المتقرّب إليه واحد . وقد جعل المشركون مناسك كثيرة فلكلّ صنم بيت يذبح فيه مثل الغبغب للعزّى ، قال النّابغة : وما هريق على الأنصاب من جسد . . . ( أي دم ) . وقد أشار إلى هذا المعنى قوله تعالى :
وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا
[ الحج : 34 ] كما تقدم آنفا . فالجملة استئناف . والمناسبة ظاهرة ولذلك فصلت الجملة ولم تعطف كما عطفت نظيرتها المتقدمة . والمنسك - بفتح الميم وفتح السين - : اسم مكان النّسك بضمهما كما تقدّم . وأصل النّسك العبادة ويطلق على القربان ، فالمراد بالنسك هنا مواضع الحج بخلاف المراد به في الآية السابقة فهو موضع القربان . والضمير في
ناسِكُوهُ
منصوب على نزع الخافض ، أي ناسكون فيه . وفي « الموطأ » : « أن قريشا كانت تقف عند المشعر الحرام بالمزدلفة بقزح ، وكانت العرب وغيرهم يقفون بعرفة فكانوا يتجادلون يقول هؤلاء : نحن أصوب ، ويقول هؤلاء : نحن أصوب ، فقال اللّه تعالى :
لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً هُمْ ناسِكُوهُ
الآية ، فهذا الجدال فيما نرى واللّه أعلم وقد سمعت ذلك من أهل العلم اه . قال الباجي في « المنتقى » : « وهو قول ربيعة » . وهذا يقتضي أن أصحاب هذا التفسير يرون الآية قد نزلت بعد فرض الحج في الإسلام وقبل أن يمنع المشركون منه ، أي نزلت في سنة تسع ، والأظهر خلافه كما تقدم في أول السورة . وفرّع على هذا الاستدلال أنهم لم تبق لهم حجة ينازعون بها النبي صلى اللّه عليه وسلم في شأن التوحيد بعد شهادة الملل السابقة كلها ، فالنهي ظاهره موجّه إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم لأن ما أعطيه