تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 211

مساهمون:

ص٢١١
وقوع عذاب الآخرة بلازمين ، فردّ اللّه عليهم ردا عاما بقوله :
وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ
، وكان ذلك تثبيتا للمؤمنين ، ثم أعقبه بإنذارهم بأن عذاب الآخرة لا يفلتون منه أيضا وهو أشدّ العذاب . فقوله :
وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ
خبر مستعمل في التعريض بالوعيد ، وهذا اليوم هو يوم القيامة . وفي معنى هذه الآية قوله تعالى :
يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَوْ لا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ الْعَذابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ
[ العنكبوت : 53 - 54 ] . وليس المراد بقوله :
وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ
إلى آخره استقصار أجل حلول العذاب بهم في الدنيا كما درج عليه أكثر المفسرين لعدم رشاقة ذلك على أن هذا الاستقصار يغني عنه قوله عقب هذا :
وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها وَهِيَ ظالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُها
[ الحج : 48 ] . والخطاب في
تَعُدُّونَ
للنبي صلى اللّه عليه وسلم والمؤمنين . وقرأ الجمهور
تَعُدُّونَ
بالفوقية ، وقرأه ابن كثير ، وحمزة ، والكسائي مما يعدون - بياء الغائبين - . أي مما يعده المشركون المستعجلون بالعذاب . [ 48 ]

[ سورة الحج ( 22 ) : آية 48 ]

وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها وَهِيَ ظالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُها وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ ( 48 ) عطف على جملة
وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ
[ الحج : 47 ] أو على جملة
وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ
[ الحج : 47 ] باعتبار ما تضمنه استعجالهم بالعذاب من التعريض بأنهم آيسون منه لتأخّر وقوعه ، فذكّروا بأن أمما كثيرة أمهلت ثمّ حلّ بها العذاب . فوزان هذه الآية وزان قوله آنفا :
فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها وَهِيَ ظالِمَةٌ
[ الحج : 45 ] إلخ ؛ إلا أن الأولى قصد منها كثرة الأمم التي أهلكت لئلا يتوهّم من ذكر قوم نوح ومن عطف عليهم أن الهلاك لم يتجاوزهم ولذلك اقتصر فيها على ذكر الإهلاك دون الإمهال . وهذه الآية القصد منها التذكير بأنّ تأخير الوعيد لا يقتضي إبطاله ، ولذلك اقتصر فيها على ذكر الإمهال ثم الأخذ بعده المناسب للإملاء من حيث إنه دخول في القبضة بعد بعده عنها . وأما عطف جملة
فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها
[ الحج : 45 ] - بالفاء - وعطف جملة
وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها وَهِيَ ظالِمَةٌ
- بالواو - فلأن الجملة الأولى وقعت بدلا من جملة
فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ
[ الحج : 44 ] فقرنت - بالفاء - التي دخلت نظيرتها على الجملة