تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 209

مساهمون:

ص٢٠٩
منهم آثارها فلهم قلوب لا يعقلون بها ولهم آذان لا يسمعون بها ولهم أعين لا يبصرون بها وهذا كقوله تعالى :
وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَنِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ
[ البقرة : 171 ] . والفاء في جملة
فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ
تفريع على جواب النفي في قوله :
فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها
، وفذلكة للكلام السابق ، وتذييل له بما في هذه الجملة من العموم . والضمير في قوله
فَإِنَّها
ضمير القصة والشأن ، أي فإن الشأن والقصة هو مضمون الجملة بعد الضمير ، أي لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب ، أي فإن الأبصار والأسماع طرق لحصول العلم بالمبصرات والمسموعات ، والمدرك لذلك هو الدماغ فإذا لم يكن في الدماغ عقل كان المبصر كالأعمى والسامع كالأصمّ ، فآفة ذلك كله هو اختلال العقل . واستعير العمى الثاني لانتفاء إدراك المبصرات بالعقل مع سلامة حاسّة البصر لشبهه به في الحالة الحاصلة لصاحبه . والتعريف في
الْأَبْصارُ
، و
الْقُلُوبُ
، و
الصُّدُورِ
تعريف الجنس الشامل لقلوب المتحدّث عنهم وغيرهم ، والجمع فيها باعتبار أصحابها . وحرف التوكيد في قوله :
فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ
لغرابة الحكم لا لأنه مما يشك فيه . وغالب الجمل المفتتحة بضمير الشأن اقترانها بحرف التوكيد . والقصر المستفاد من النفي وحرف الاستدراك قصر ادعائيّ للمبالغة بجعل فقد حاسة البصر المسمى بالعمى كأنه غير عمى ، وجعل عدم الاهتداء إلى دلالة المبصرات مع سلامة حاسة البصر هو العمى مبالغة في استحقاقه لهذا الاسم الذي استعير إليه ، فالقصر ترشيح للاستعارة . ففي هذه الآية أفانين من البلاغة والبيان وبداعة النظم . و
الَّتِي فِي الصُّدُورِ
صفة ل
الْقُلُوبُ
تفيد توكيدا للفظ
الْقُلُوبُ
. فوزانه وزان الوصف في قوله تعالى :
وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ
[ الأنعام : 38 ] . ووزان القيد في قوله :