تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 205

مساهمون:

ص٢٠٥
وقوله :
فَأَمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ
معناه فأمليت لهم ، فوضع الظاهر موضع الضمير للإيماء إلى أن علة الإملاء لهم ثم أخذهم هو الكفر بالرسل تعريضا بالنذارة لمشركي قريش . والأخذ حقيقته : التناول لما لم يكن في اليد ، واستعير هنا للقدرة عليهم بتسليط الإهلاك بعد إمهالهم ، ومناسبة هذه الاستعارة أن الإملاء لهم يشبه بعد الشيء عن متناولة فشبّه انتهاء ذلك الإملاء بالتناول ، شبه ذلك بأخذ اللّه إياهم عنده ، لظهور قدرته عليهم بعد وعيدهم ، وهذا الأخذ معلوم في آيات أخرى عدا أن قوم إبراهيم لم يتقدم في القرآن ذكر لعذابهم أو أخذهم سوى أن قوله تعالى في [ سورة الأنبياء : 70 ]
وَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ
مشير إلى سوء عاقبتهم مما أرادوا به من الكيد ، وهذه الآية صريحة في ذلك كما أشرنا إليه هنالك . ومناسبة عدّ قوم إبراهيم هنا في عداد الأقوام الذين أخذهم اللّه دون الآيات الأخرى التي ذكر فيها من أخذوا من الأقوام ، أنّ قوم إبراهيم أتمّ شبها بمشركي قريش في أنهم كذبوا رسولهم وآذوه . وألجئوه إلى الخروج من موطنه
وَقالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ
[ الصافات : 99 ] . فكان ذكر إلجاء قريش المؤمنين إلى الخروج من موطنهم في قوله :
الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ
[ الحج : 40 ] مناسبة لذكر قوم إبراهيم . والإملاء : ترك المتلبّس بالعصيان دون تعجيل عقوبته وتأخيرها إلى وقت متأخر حتى يحسب أنه قد نجا ثم يؤخذ بالعقوبة . والفاء في
فَأَمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ
للتعقيب دلالة على أن تقدير هلاكهم حاصل من وقت تكذيبهم وإنما أخر لهم ، وهو تعقيب موزع ، فلكل قوم من هؤلاء تعقيب إملائه ، والأخذ حاصل بعد الإملاء بمهلة ، فلذلك عطف فعله بحرف المهلة . وعطفت جملة
فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ
بالفاء لأنّ حق ذلك الاستفهام أن يحصل عند ذكر ذلك الأخذ ، وهو استفهام تعجيبي ، أي فأعجب من نكيري كيف حصل . ووجه التعجيب منه أنهم أبدلوا بالنعمة محنة ، وبالحياة هلاكا ، وبالعمارة خرابا فهو عبرة لغيرهم . والنكير : الإنكار الزجري لتغيير الحالة التي عليها الذي ينكر عليه : و
نَكِيرِ
- بكسرة في آخره - دالة على ياء المتكلم المحذوفة تخفيفا . وكأنّ مناسبة اختيار النكير في هذه الآية دون العذاب ونحوه أنه وقع بعد التنويه بالنهي عن المنكر لينبه المسلمين على أن يبذلوا في تغيير المنكر منتهى استطاعتهم ، فإن