تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 204

مساهمون:

ص٢٠٤
والنهي عن المنكر آيل إلى الأمر بالمعروف وكذلك الأمر بالمعروف آيل إلى النهي عن المنكر وإنما جمعت الآية بينهما باعتبار أول ما تتوجه إليه نفوس الناس عند مشاهدة الأعمال ، ولتكون معرفة المعروف دليلا على إنكار المنكر وبالعكس إذ بضدها تتمايز الأشياء ، ولم يزل من طرق النظر والحجاج الاستدلال بالنقائض والعكوس .
وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ
عطف على جملة
وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ
[ الحج : 40 ] ، أو على جملة
إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ
[ الحج : 40 ] ، والمآل واحد ، وهو تحقيق وقوع النصر ، لأنّ الذي وعد به لا يمنعه من تحقيق وعده مانع ، وفيه تأنيس للمهاجرين لئلا يستبطئوا النصر . والعاقبة : آخر الشيء وما يعقب الحاضر . وتأنيثها لملاحظة معنى الحالة وصارت بكثرة الاستعمال اسما . وفي حديث هرقل « ثم تكون لهم العاقبة » . وتقديم المجرور هنا للاهتمام والتنبيه على أن ما هو للّه فهو يصرفه كيف يشاء . [ 42 - 44 ]

[ سورة الحج ( 22 ) : الآيات 42 إلى 44 ]

وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَثَمُودُ ( 42 ) وَقَوْمُ إِبْراهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ ( 43 ) وَأَصْحابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسى فَأَمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ ( 44 ) لما نعى على المشركين مساويهم في شؤون الدين بإشراكهم وإنكارهم البعث وصدّهم عن الإسلام وعن المسجد الحرام وما ناسب ذلك في غرضه من إخراج أهله منه ، عطف هنا إلى ضلالهم بتكذيب النبي صلى اللّه عليه وسلم فقصد من ذلك تسلية الرسول صلى اللّه عليه وسلم وتمثيلهم بأمثال الأمم التي استأصلها اللّه ، وتهديدهم بالمصير إلى مصيرهم ، ونظير هذه الآية إجمالا وتفصيلا تقدم غير مرة في سورة آل عمران وغيرها . وجواب الشرط محذوف دلّ عليه قوله :
فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ
إلخ إذ التقدير : فلا عجب في تكذيبهم ، أو فلا غضاضة عليك في تكذيب قومك إياك فإن تلك عادة أمثالهم . وقوم إبراهيم هم الكلدان ، وأصحاب مدين هم قوم شعيب ، وإنما لم يعبّر عنهم بقوم شعيب لئلا يتكرر لفظ قوم أكثر من ثلاث مرات . وقال :
وَكُذِّبَ مُوسى
لأن مكذّبيه هم القبط قوم فرعون ولم يكذبه قومه بنو إسرائيل .