تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 180

مساهمون:

ص١٨٠
والتفث : كلمة وقعت في القرآن وتردّد المفسرون في المراد منها . واضطراب علماء اللغة في معناها لعلّهم لم يعثروا عليها في كلام العرب المحتج به . قال الزجاج : إن أهل اللغة لا يعلمون التفث إلّا من التفسير ، أي من أقوال المفسرين . فعن ابن عمر وابن عبّاس : التفث : مناسك الحجّ وأفعاله كلها . قال ابن العربي : لم صح عنهما لكان حجة الإحاطة باللغة . قلت : رواه الطبري عنهما بأسانيد مقبولة . ونسبة الجصّاص إلى سعيد . وقال نفطويه وقطرب : التفث : هو الوسخ والدرن . ورواه ابن وهب عن مالك بن أنس ، واختاره أبو بكر بن العربي وأنشد قطرب لأمية بن أبي الصلت :
حفّوا رؤوسهم لم يحلقوا تفثا * ولم يسلّموا لهم قملا وصئبانا
ويحتمل أن البيت مصنوع لأن أئمة اللّغة قالوا : لم يجئ في معنى التفث شعر يحتج به . قال نفطويه : سألت أعرابيا : ما معنى قوله
ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ
، فقال : ما أفسّر القرآن ولكن نقول للرجل ما أتفثك ، أي ما أدرنك . وعن أبي عبيدة : التّفث : قصّ الأظفار والأخذ من الشارب وكل ما يحرم على المحرم ، ومثله قوله عكرمة ومجاهد وربما زاد مجاهد مع ذلك : رمي الجمار . وعن صاحب « العين » والفراء والزجاج : التفث الرمي ، والذبح ، والحلق ، وقصّ الأظفار والشارب وشعر الإبط . وهو قول الحسن ونسب إلى مالك بن أنس أيضا . وعندي : أن فعل
لْيَقْضُوا
ينادي على أن التفث عمل من أعمال الحج وليس وسخا ولا ظفرا ولا شعرا . ويؤيده ما روي عن ابن عمر وابن عباس آنفا . وأن موقع ( ثمّ ) في عطف جملة الأمر على ما قبلها ينادي على معنى التراخي الرتبي فيقتضي أنّ المعطوف ب ( ثمّ ) أهم مما ذكر قبلها فإن أعمال الحج هي المهم في الإتيان إلى مكة ، فلا جرم أن التفث هو من مناسك الحجّ وهذا الذي درج عليه الحريري في قوله في المقامة المكية : « فلمّا قضيت بعون اللّه التفث ، واستبحت الطيب والرفث ، صادف موسم الخيف ، معمعان الصيف » . وقوله :
وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ
أي إن كانوا نذورا أعمالا زائدة على ما تقتضيه فريضة الحجّ مثل نذر طواف زائد أو اعتكاف في المسجد الحرام أو نسكا أو إطعام فقير أو نحو ذلك . والنذر : التزام قربة للّه تعالى لم تكن واجبة على ملتزمها بتعليق على حصول
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 180 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور