تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 148

مساهمون:

ص١٤٨
عطف على جملة
فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ
، والخطاب لغير معيّن فيعم كل من يسمع هذا الكلام . وهذا ارتقاء في الاستدلال على الإحياء بعد الموت بقياس التمثيل لأنه استدلال بحالة مشاهدة فلذلك افتتح بفعل الرؤية ، بخلاف الاستدلال بخلق الإنسان فإن مبدأه غير مشاهد فقيل في شأنه
فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ
الآية . ومحل الاستدلال من قوله تعالى :
فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ
، فهو مناسب قوله في الاستدلال الأول
فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ
، فهمود الأرض بمنزلة موت الإنسان واهتزازها وإنباتها بعد ذلك يماثل الإحياء بعد الموت . والهمود : قريب من الخمود ، فهمود الأرض جفافها وزوال نبتها ، وهمود النار خمودها . والاهتزاز : التحرك إلى أعلى ، فاهتزاز الأرض تمثيل لحال ارتفاع ترابها بالماء وحال ارتفاع وجهها بما عليه من العشب بحال الذي يهتز ويتحرك إلى أعلى . وربت : حصل لها ربو - بضمّ الراء وضم الموحدة - وهو ازدياد الشيء يقال : ربا يربو ربوا ، وفسر هنا بانتفاخ الأرض من تفتق النبت والشجر . وقرأ أبو جعفر وربأت بهمزة مفتوحة بعد الموحدة ، أي ارتفعت . ومنه قولهم : ربأ بنفسه عن كذا ، أي ارتفع مجازا ، وهو فعل مشتق من اسم الربيئة وهو الذي يعلو ربوة من الأرض لينظر هل من عدوّ يسير إليهم . والزوج : الصنف من الأشياء . أطلق عليه اسم الزوج تشبيها له بالزوج من الحيوان وهو صنف الذكر وصنف الأنثى ، لأن كل فرد من أحد الصنفين يقترن بالفرد من الصنف الآخر فيصير زوجا فيسمى كلّ واحد منهما زوجا بهذا المعنى ، ثم شاع إطلاقه على أحد الصنفين ، ثم أطلق على كلّ نوع وصنف وإن لم يكن ذكرا ولا أنثى ، فأطلق هنا على أنواع النبات . والبهيج : الحسن المنظر السارّ للناظر ، وقد سيق هذا الوصف إدماجا للامتنان في أثناء الاستدلال امتنانا بجمال صورة الأرض المنبتة ، لأن كونه بهيجا لا دخل له في الاستدلال ، فهو امتنان محض كقوله تعالى :
وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ
[ النحل : 6 ] وقوله تعالى :
وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ
[ الملك : 5 ] .