تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 136

مساهمون:

ص١٣٦
وأول فريق من الناس دخولا في خطاب
يا أَيُّهَا النَّاسُ
هم المشركون من أهل مكة حتى قيل إن الخطاب بذلك خاص بهم . وهذا يشمل مشركي أهل المدينة قبل صفائها منهم . وفي التعبير عن الذات العلية بصفة الرب مضافا إلى ضمير المخاطبين إيماء إلى استحقاقه أن يتّقى لعظمته بالخالقية ، وإلى جدارة الناس بأن يتقوه لأنه بصفة تدبير الربوبية لا يأمر ولا ينهى إلا لمرعي مصالح الناس ودرء المفاسد عنهم . وكلا الأمرين لا يفيده غير وصف الرب دون نحو الخالق والسيّد . وتعليق التقوى بذات الرب يقتضي بدلالة الاقتضاء معنى اتقاء مخالفته أو عقابه أو نحو ذلك لأن التقوى لا تتعلق بالذات بل بشأن لها مناسب للمقام . وأول تقواه هو تنزيهه عن النقائص ، وفي مقدمة ذلك تنزيهه عن الشركاء باعتقاد وحدانيته في الإلهية . وجملة
إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ
في موضع العلة للأمر بالتقوى كما يفيده حرف التوكيد الواقع في مقام خطاب لا تردد للسامع فيه . والتعليل يقتضي أن لزلزلة الساعة أثرا في الأمر بالتقوى وهو أنه وقت لحصول الجزاء على التقوى وعلى العصيان وذلك على وجه الإجمال المفصل بما بعده في قوله :
وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ
[ الحج : 2 ] . والزلزلة حقيقتها : تحرك عنيف في جهة من سطح الأرض من أثر ضغط مجاري الهواء الكائن في طبقات الأرض القريبة من ظاهر الأرض . وهي من الظواهر الأرضية المرعبة ينشأ عنها تساقط البناء وقد ينشأ عنها خسف الأشياء في باطن الأرض . والساعة : علم بالغلبة في اصطلاح القرآن على وقت فناء الدنيا والخلوص إلى عالم الحشر الأخروي ، قال تعالى :
إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها
إلى قوله :
يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتاً لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ
[ الزلزلة : 1 - 6 ] . وإضافة
زَلْزَلَةَ
إلى
السَّاعَةِ
على معنى ( في ) ، أي الزلزلة التي تحدث وقت حلول الساعة . فيجوز أن تكون الزلزلة في الدنيا أو في وقت الحشر . والظاهر حمل الزلزلة على الحقيقة ، وهي حاصلة عند إشراف العالم الدنيوي على الفناء وفساد نظامه فإضافتها إلى