تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 75

مساهمون:

ص٧٥
و
مَدًّا
مفعول مطلق مؤكد لعامله ، أي فليمدد له المدّ الشديد ، فسينتهي ذلك . و
حَتَّى
لغاية المد ، وهي ابتدائية ، أي يمدّ له الرحمن إني أن يروا ما يوعدون ، أي لا محيص لهم عن رؤية ما أوعدوا من العذاب ولا يدفعه عنه طول مدّتهم في النّعمة . فتكون الغاية مضمون الجملة التي بعدها
حَتَّى
لا لفظا مفردا . والتقدير : يمدّ لهم الرحمن حتى يروا العذاب فيعلموا من هو أسعد ومن هو أشقى . وحرف الاستقبال لتوكيد حصول العلم لهم حينئذ وليس للدّلالة على الاستقبال لأنّ الاستقبال استفيد من الغاية . و
إِمَّا
حرف تفصيل ل
ما يُوعَدُونَ
، أي ما أوعدوا من العذاب إما عذاب الدنيا وإما عذاب الآخرة ، فإن كلّ واحد منهم لا يعدو أن يرى أحد العذابين أو كليهما . وانتصب لفظ
الْعَذابَ
على المفعولية ل
رَأَوْا
. وحرف
إِمَّا
غير عاطف ، وهو معترض بين العامل ومعموله ، كما في قول تأبّط شرا :
هما خطّتا إمّا إسار ومنّة * وإما دم والموت بالحر أجدر
بجرّ ( إسار ، ومنّة ، ودم ) . وقوله
شَرٌّ مَكاناً وَأَضْعَفُ جُنْداً
مقابل قولهم
خَيْرٌ مَقاماً وَأَحْسَنُ نَدِيًّا
[ مريم : 73 ] فالمكان يرادف المقام ، والجند الأعوان ، لأنّ الندي أريد به أهله كما تقدم ، فقوبل
خَيْرٌ
نَدِيًّا
ب
أَضْعَفُ جُنْداً
. وجملة
وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً
معطوفة على جملة
مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا
لما تضمنه ذلك من الإمهال المفضي إلى الاستمرار في الضلال ، والاستمرار : الزيادة . فالمعنى على الاحتباك ، أي فليمدد له الرحمن مدا فيزدد ضلالا ، ويمدّ للذين اهتدوا فيزدادوا هدى . وجملة
وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ
عطف على جملة
وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً
. وهو ارتقاء من بشارتهم بالنجاة إلى بشارتهم برفع الدرجات ، أي الباقيات الصالحات خير من السلامة من العذاب التي اقتضاها قوله تعالى :
فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضْعَفُ جُنْداً
، أي فسيظهر أن ما كان فيه الكفرة من النعمة والعزّة هو أقلّ مما كان عليه المسلمون من الشظف والضعف باعتبار المآلين ، إذ كان مآل الكفرة العذاب ومآل