تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 70

مساهمون:

ص٧٠
وكذلك قرأ عكرمة وجماعة . فالمعنى : وما منكم أحد ممن نزع من كلّ شيعة وغيره إلّا وارد جهنّم حتما قضاه اللّه فلا مبدل لكلماته ، أي فلا تحسبوا أن تنفعكم شفاعتهم أو تمنعكم عزّة شيعكم ، أو تلقون التبعة على سادتكم وعظماء أهل ضلالكم ، أو يكونون فداء عنكم من النّار . وهذا نظير قوله تعالى :
إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ * وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ
[ الحجر : 42 ، 43 ] ، أي الغاوين وغيرهم . وحرف ( إن ) للنفي . والورود : حقيقته الوصول إلى الماء للاستقاء . ويطلق على الوصول مطلقا مجازا شائعا ، وأما إطلاق الورود على الدخول فلا يعرف إلا أن يكون مجازا غير مشهور فلا بد له من قرينة . وجملة
ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا
زيادة في الارتقاء بالوعيد بأنّهم خالدون في العذاب ، فليس ورودهم النّار بموقّت بأجل . و
ثُمَّ
للترتيب الرتبي تنويها بإنجاء الذين اتّقوا وتشويها بحال الذين يبقون في جهنم جثيّا . فالمعنى : وعلاوة على ذلك ننجي الذين اتّقوا من ورود جهنم . وليس المعنى : ثمّ ينجي المتقين من بينهم بل المعنى أنهم نجوا من الورود إلى النّار . وذكر إنجاء المتقين : أي المؤمنين ، إدماج ببشارة المؤمنين في أثناء وعيد المشركين . وجملة
وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا
عطف على جملة
وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها
. والظالمون : المشركون . والتعبير بالّذين ظلموا إظهار في مقام الإضمار . والأصل : ونذركم أيها الظالمون . ونذر : نترك ، وهو مضارع ليس له ماض من لفظه ، أمات العرب ماضي ( نذر ) استغناء عنه بماضي ( ترك ) ، كما تقدّم عند قوله تعالى :
ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ
في سورة الأنعام [ 91 ] . فليس الخطاب في قوله
وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها
لجميع النّاس مؤمنهم وكافرهم على معنى ابتداء كلام ؛ بحيث يقتضي أن المؤمنين يردون النّار مع الكافرين ثم ينجون من عذابها ، لأنّ هذا معنى ثقيل ينبو عنه السياق ، إذ لا مناسبة بينه وبين سياق الآيات